[من روائع الأبحاث]
(فصل: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
قال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
سورة الأحقاف
{قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) }
قول الله عزّ وجلّ في سورة الأحقاف حكاية لمقالة هود عليه السلام لقومه: {ولكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} .
كان مقتضى الظاهر أن يكون النص: قَوْماً يَجْهَلُون، بياء الغائب مراعاة للَفْظِ {قَوْماً} لكنْ جاء في النصّ تغليبُ المعنَى، فَهُوَ يُخاطبهم بقوله: {أَرَاكُمْ} فناسَبَ هذا المعنى أن يقول لهم {تَجْهَلُونَ} .
والغرض البلاغيُّ من هذا التغليب مواجهتُهم بوصفهم بالجهالة، إذْ وصَلُوا إلى طَوْرِ العناد الشديد والتحدّي بأن يأتيهم بالإِهلاك الذي كان يُنْذِرُهُمْ به.
{... بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) }
ومن ذلك ما جاء في القرآن من تخصيص لفظة"الريح"غالباً في التي تأتي بعذاب وهلاك. وتخصيص لفظة"الرياح"في التي تأتي بنعمة ورزق وخير.
فالتفريق هنا جاء بتغيير اللّفظة بين الإفراد والجمع، ومنه قول الله تعالى في سورة الأعراف: {وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الآية: 57] .
وقوله تعالى في سورة الأحقاف: {... بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وقد يكون للريح الواحدة أثر في التدمير والعذاب، بحسب تواترها وشدّتها، أمّا التي تأتي بُشْراً بين يدي رحمة الله، فإنَّها قد تكون أنواعاً من الرياح تحمل الخير ويدفع الله شرّ بعضها ببعض. أو نقول: اختار الله عزّ وجلّ لفظ الجمع"الرياح"للتي تأتي بنعمة ورزق وخير لأنّها هي الأعظم والأكثر في واقع الحال، إذ رحمته سبحانه سبقت غضبه، واختار لفظ المفرد"الريح"للتي تأتي بعذاب، لأنها هي الأقلّ في واقع الحال، فدلّ على الكثرة بالجمع وعلى القلة بالإِفراد. والله أعلم.
{... بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون (35) }
شرح الاستفهام المستَعْمَل في الإِنْكار:
ويُسَمَّى استفهاماً إنكاريّاً، ويُرادُ منه النفي، مع الإِنكار على المثْبِتِ كَيْفَ أَثْبَتَ مَا هو ظاهر النفي، وكانَ الواجبُ عليه أن يَنْفِي، أو مع الإِنكار على المخاطب قضيَّته، وهي باطلةٌ في تصوُّرِ مُوجِّه الاستفهام.