(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة الأحقاف
قوله - تعالى -: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) ،
دليل على أن النساء قد يلدن لستة أشهر، وقد سبقنا إلى هذا علي وابن عباس رضي الله عنهما.
قوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) ، رد على القدرية، والمعتزلة فيما أخبر عنه من إيزاع
الشكر، والتوفيق للعمل الصالح، ولو كان مستطيعًا بنفسه لكان
دعاؤه محالاً، ثم أثنى عليه ربه، وأضاف العمل - الذي هو أعانه
عليه - إليه، فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) فالعمل حسنه، وسيئه مضاف إلى عامله،
وإن كان معانًا على الحسن، مقضيًا عليه بالسيء، ولو كانت الاستطاعة
مستغنية بنفسها ما عمل أحد عملاً سيئًا - أبدًا - إذ ليس يخلو العمل
السيء من أن يكون عامله عارفًا بعقوبته، أوجاهلا بها، فإن كان
جاهلاً بها فالحجة - بعد - لم تلزمه حتى يعرف عقوبة العمل الذي أمر
باجتنابه وتوعد عليه، وإن كان عالمًا بعقوبته فليس يخلو:
من أن يكون فعله له بعقل، أو غير عقل. فإن كان بغير عقل
فلا حجة عليه - أيضاً - لرفع القلم عنه، وإن كان يعقل - وهو
مستطيع لأن لا يعمله - فليس في فطرة العقول أن يهلك عاقل نفسه،
ولا يطرحها في النار.
وإن كان شاكًا في عقوبة ذنبه، لأنه لم يعاينها، فهذا بعد لم يؤمن
بالله، ولا دخل في جملة الموحدين، فضلاً عن النظر في القضاء
والقدر.
أفلا يعتبرون أنه عالم ما يُعاقَب عليه بعقل وإيقان، ولكنه لا يستطيع