(باب في الزهد وقصر الأمل)
قال الحَلِيمي:
قال الله عز وجل: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «بعثت والساعة كهاتين» .
فعلمنا بخبر الله عز وجل، ثم خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أن أجل الدنيا قريب، وإذا كان أجل الجماعة قريباً، قبح من الواحد أن يطيل أمله، ثم لقد جاء الصحيح عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من شبابك لهرمك ومن صحتك ليوم سقمك، ومن غناك ليوم فقرك» وفي رواية أخرى: «اغتنم خمساً: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك» .
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» .
فاستقصر من دافع بالوصية يومين واستكثرهما له.
وكل ذلك يدل على أن الاحتياط قصر الأجل، وإن إطالته عشرون، وخداع من المرء لنفسه، وسوء نظر لأمره وأهله وولده وسائر من يعينه شأنه، لأنه لا ساعة إلا ويمكن أن يكون فيها انقضاء أجله، ويدعى فيها ولا يجد بداً من أن يجيبه.
وإذا كان كذلك، فلا معنى لأن من متاع الدنيا من يرى أنه مخلد غير منقول أبداً عنها.
فإن في ذلك إذا تمكن من قلبه لها، اشتغل عن عبادة الله وطغى، وكأنه بجديته آخرته بقدر عمارته دنياه.
فإن الله - عز وجل - يقول: {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} وإذا نجى بما يمثل طبعه إليه وقصر أمله صار همه للإستعداد للآخرة والانقطاع عن الدنيا وذلك أحوط.
لأنه إن احتضر قريباً كما يظن كان ساهياً عن ربه مقدماً ما يحتاج إليه منقلبه، وإن أمهل فكلما ازداد مهلة ازداد طاعة وبراً وقربة، فكان ذلك أنظر له من أن ينهمك في الدنيا مطيلاً أمله، فإن احتضر قريباً من حيث لم يظنه، فكان كمن عافصه سفر لا يجد منه بداً، وهو لا زاد عنده، ولا راحله له، فيلزمه المشي على قدميه، وأسوأ حال وأقبحها.
وإن أمهل لم يزدد على الأيام للدنيا إلا حباً وعلى عمارتها والإستكناف منها إلا حرصاً.
فإن مثلها مثل الخمر يدعو قليلها إلى كثيرها، ويسرق القصير منها إلى ما فوقها، فمن علم هذا ثم كان منه في عامة أحواله على ما ذكر كما جاءت الوصية به.