{الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}
تأمل هنا ما أحسن التقاء وتناسب نهاية السورة مع بداية الأخرى، ففي نهاية الأحقاف:
{فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35] وهنا {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 1] فكأن الفاسقين هم الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله.
عرَّفنا الكفر أنه الستر سَتْر الحقيقة، أو ستر آثار الحقيقة، فكلمة (كفر) تقتضي بمدلولها وجود مستور، والكفر ماذا يستر؟ يستر نقيضه وهو الإيمان، إذن: وُجد الإيمان أولاً، ثم جاء الكفر ليَستره.
فكلمة الكفر أول دليل من أدلة الإيمان، لأن الإيمان أمر فطريّ، وغريزة في النفس البشرية وهي ما تزال في عالم الذر لما أخذ الله عليها العهد
{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ .. } [الأعراف: 172] .
وقد لا يستر الكفر الشيء، إنما يستر آثاره، كما في قوله تعالى:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ .. } [النحل: 112] .
إذن: كفرت بالله شيء، وكفرت بأنعم الله شيء آخر.
والكفر بالنعمة يكون من عدة وجوه، فمن كُفر النعمة الغفلة عنها وعدم البحث عن أسبابها، وعدم استنباطها في الكون بما فيه من أسباب: الماء والهواء والأرض.
اقرأ مثلاً:
{قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا .. } [فصلت: 9 - 10] .
إذن: ربنا أعطانا الأسباب وأمرنا بالبحث فيها واستنباطها، وعدم التكاسل عن استخراج ما في الطبيعة من خيرات، فبعد أنْ أعطاك الله أسباب النعمة فلا تتهاون في شأنها وتعيش شحاذاً عالة على غيرك.
وقد يبحث الإنسان عن النعمة ويستنبطها لكن يسترها عن مستحقيها ويكنزها عنهم، وهؤلاء قال الله فيهم: