4 -إذا كانت البراهين على وجود اللَّه وتصديق نبيّه والإيمان بالبعث قد اتّضحت، والكافرون والمنافقون لم يؤمنوا، فلا يتوقع منهم الإيمان إلا عند قيام الساعة التي ستأتيهم فجأة، وظهرت علاماتها وأماراتها، ومنها بعثة النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وانشقاق القمر والدخان، وكثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام.
ولكن حين مجيء الساعة لا ينفعهم التذكر والإيمان، إذ لا تقبل التوبة ولا يحسب الإيمان.
5 -لا يفيد المؤمن إلا الثبات على توحيد اللَّه، والاعتقاد بأن لا إله إلا اللَّه لها الفوقية والتقدم على كل شيء، والاشتغال بالاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، وهذا دليل التآخي والمحبة والرغبة في الخير والسعادة لأهل الإيمان جميعا، ودليل على وجوب استغفار الإنسان لجميع المسلمين.
وقد أمر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالدوام والاستمرار على عقيدة التوحيد والإخلاص، وبالاستغفار لذنبه ولذنوب المؤمنين والمؤمنات، لأنه القدوة المثلى والأسوة
الحسنة للأمة، ولتعليم أمته انتهاج منهجه واقتفاء سيرته. وذنوب الأنبياء:
تركهم ما هو الأولى بمنزلتهم العالية عند اللَّه تعالى. وتقديم الأمر بالتوحيد على الاستغفار دليل على تقديم العلم على العمل، وعلى أن أول الواجبات العلم والنظر قبل القول والإقرار، وفي الآية ما يدلّ على التواضع وهضم النفس، لأن اللَّه تعالى أمر رسوله اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالاستغفار لذنبه وذنوب من على دينه.
6 -لا يخفى على اللَّه تعالى شيء من حركات بني آدم وسكناتهم، بل وجميع خلقه، فهو سبحانه عالم بجميع ذلك جملة وتفصيلا، فيعلم متقلبهم وتصرفهم في النهار، ومستقرهم بالليل، ومثواهم في الدنيا والآخرة. وعلى هذا يكون حمل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ على العموم لكل ما ذكر أولى وأحرى كما اختار القرطبي رحمه اللَّه تعالى.
والعلم بأن اللَّه رقيب على كل شيء يستدعي الطاعة والعمل الصالح، ويوجب الرهبة من العصيان والمخالفة، وهو معنى التقوى التي يوفق اللَّه إليها عباده المؤمنين. انتهى انتهى {التفسير المنير، للزحيلي. 26/} ...