ورابعاً: الآية التي نحن فيها
ولا نزاع فِي أن أفضل الأنبياء والرسل عليهم السلام هؤلاء الأربعة،
فلما ثبت أن الله تعالى قدم الأمر بمعرفة الأصول على معرفة الفروع
في حق هؤلاء الأنبياء المكرمين: ثبت أن الحق الصحيح الصريح ليس إلا ذلك، ومما يؤكد ذلك وجوه أخر:
الوجه الأول:
أن أكثر المفسرين أجمعوا على أن أول آية أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم هي قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).
وهذه الآية مشتملة على دلائل التوحيد. وذلك أن أظهر الدلائل الدالة على
وجود الصانع الحكيم: توالد الإنسان من النطفة.
ثم إنه تعالى نبه فِي هذه الآية على لطيفة عجيبة، ولا يتأتى شرحها إلا فِي معرض السؤال والجواب.
فإن قال قائل: لا بد من رعاية النظم بين أجزاء الكلام، وهاهنا ذكر أنه تعالى يولد الإنسان من النطفة فقال: (الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ).
ثم ذكر بعده أنه (علم الإنسان ما لم يعلم) .
فأي مناسبه بين هذين الأمرين؟
الجواب: أن اخس مراتب الإنسان وأدناها: العلقة، وذلك لأنه يستقذرها كل أحد.
وأعلى المراتب وأشرفها: كون الإنسان عالماً محيطاً بحقائق الأشياء، كأنه قال: عبدي، تأمل إلى أول حالك حين كنت علقة،
وهي أخس الأشياء: وإلى آخر حالك حين صرت ناطقاً عالماً بحقائق الأشياء، وهو أشرف المراتب، حتى يظهر لك أنه لا يمكن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الدرجة الرفيعة الشريفة إلا بتدبير أقدر القادرين، وأحكم الحاكمين، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون.
الوجه الثاني:
أنه تعالى مدح المؤمنين فِي سورة البقرة من أول السورة إلى قوله: