الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (1) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَبِنُبُوَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}
يَقُولُ: لَا تَعْجَلُوا بِقَضَاءِ أَمْرٍ فِي حُرُوبِكُمْ أَوْ دِينِكُمْ، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ لَكُمْ فِيهِ وَرَسُولُهُ، فَتَقْضُوا بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ، مَحْكِيُّ عَنِ الْعَرَبِ فُلَانٌ يُقْدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ إِمَامِهِ، بِمَعْنَى يَعْجَلُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ دُونَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ بِالْبَيَانِ عَنْ مَعْنَاهُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نُهُوا أَنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِ»
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَقْضِيَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ»
عَنْ قَتَادَةَ:"ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا لَوُضِعَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَكَرِهَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ، وَقَدَّمَ فِيهِ"
وَقَالَ الْحَسَنُ: «أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَبَحُوا قَبْلَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأَمَرَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا آخَرَ»
[عن] الضَّحَّاك: «يَعْنِي بِذَلِكَ فِي الْقِتَالِ، وَكَانَ مِنْ أُمُورِهِمْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْضَى إِلَّا بِأَمْرِهِ مَا كَانَ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ» .
وَبِضَمِّ التَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ: {لَا تُقَدِّمُوا} قَرَأَ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِخِلَافِهَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ قَدَّمْتُ فِي كَذَا، وَتَقَدَّمْتُ فِي كَذَا، فَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ لَوْ كَانَ قِيلَ: (لَا تَقَدَّمُوا) بِفَتْحِ التَّاءِ كَانَ جَائِزًا
وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ}