وقال الشيخ سيد قطب:
مقدمة لسورة ق
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخطب بهذه السورة في العيد والجمعة ; فيجعلها هي موضوع خطبته ومادتها , في الجماعات الحافلة. . وإن لها لشأنا. .
إنها سورة رهيبة , شديدة الوقع بحقائقها , شديدة الإيقاع ببنائها التعبيري , وصورها وظلالها وجرس فواصلها. تأخذ على النفس أقطارها , وتلاحقها في خطراتها وحركاتها , وتتعقبها في سرها وجهرها , وفي باطنها وظاهرها. تتعقبها برقابة الله , التي لا تدعها لحظة واحدة من المولد , إلى الممات , إلى البعث , إلى الحشر , إلى الحساب. وهي رقابة شديدة دقيقة رهيبة. تطبق على هذا المخلوق الإنساني الضعيف إطباقا كاملا شاملا. فهو في القبضة التي لا تغفل عنه أبدا , ولا تغفل من أمره دقيقا ولا جليلا , ولا تفارقه كثيرا ولا قليلا. كل نفس معدود. وكل هاجسة معلومة. وكل لفظ مكتوب. وكل حركة محسوبة. والرقابة الكاملة الرهيبة مضروبة على وساوس القلب , كما هي مضروبة على حركة الجوارح. ولا حجاب ولا ستار دون هذه الرقابة النافذة , المطلعة على السر والنجوى اطلاعها على العمل والحركة , في كل وقت وفي كل حال.
وكل هذه حقائق معلومة. ولكنها تعرض في الأسلوب الذي يبديها وكأنها جديدة , تروع الحس روعة المفاجأة ;وتهز النفس هزا , وترجها رجا , وتثير فيها رعشة الخوف , وروعة الإعجاب , ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب!
وذلك كله إلى صور الحياة , وصور الموت , وصور البلى , وصور البعث , وصور الحشر. وإلى إرهاص الساعة في النفس وتوقعها في الحس. وإلى الحقائق الكونية المتجلية في السماء والأرض , وفي الماء والنبت , وفي الثمر والطلع. . (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) . .