فصل
قال الفخر:
{وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) }
اعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه بيّن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه.
واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إسرائيل مِنَ العذاب المهين} يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة.
ثم قال: {مِن فِرْعَوْنَ} وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني: أن يكون فرعون بدلاً من العذاب المهين كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم.
قال صاحب"الكشاف"وقرئ {مِنْ عَذَابِ المهين} وعلى هذه القراءة (فالمهين) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين.
وفي قراءة ابن عباس {مِن فِرْعَوْنَ} وهو بمعنى الاستفهام وقوله {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين} جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته؟ ثم عرف حاله بقوله {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين} أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين، ويجوز أن يكون المراد {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً} لقوله {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض} [القصص: 4] وكان أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية، ولما بيّن الله تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبيّن أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: {وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين} وفيه بحثان:
البحث الأول: أن قوله {على عِلْمٍ} في موضع الحال ثم فيه وجهان أحدهما: أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني: أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال.