(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(74)
وكعادة القرآن الكريم في المقارنة بين الأخيار والأشرار جاء الحديث عن سوء عاقبة الكافرين بعد الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين، فقال - تعالى - إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ.
أي: إن الكافرين بالحق، الراسخين في الإجرام، الكاملين فيه، سيكونون يوم القيامة، في عذاب جهنم خالدين فيه خلودا أبديا.
لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ أي: لا يخفف عنهم العذاب، فقوله يُفَتَّرُ مأخوذ من الفتور بمعنى الهدوء والسكون، يقال: فترت الحمى، إذا خفت حدتها، وفتر المرض إذا سكن قليلا.
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أي: وهم في هذا العذاب في أقصى درجات الحزن والذلة واليأس يقال: أبلس فلان إبلاسا، إذا سكت عن الكلام سكوتا مصحوبا بالحزن وانقطاع الحجة.
ثم بين - سبحانه - أن ما نزل بهؤلاء المجرمين من عذاب كان بسبب كفرهم فقال - تعالى -: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ.
أي: نحن ما ظلمنا هؤلاء الكافرين بإنزال هذا العذاب المهين الدائم بهم، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم، باستحبابهم العمى على الهدى، وإيثارهم الغي على الرشد.
ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم بعد نزول العذاب بهم فقال: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ.
والمراد بذلك سؤال مالك خازن النار، واللام في قوله لِيَقْضِ لام الدعاء.
أي: وبعد أن طال العذاب على هؤلاء الكافرين، نادوا في ذلة واستجداء قائلين لخازن
النار: يا مالك ادع لنا ربك كي يقضى علينا، بأن يميتنا حتى نستريح من هذا العذاب.
فالمراد بالقضاء هنا: الإهلاك والإماتة، ومنه قوله - تعالى -: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ .. أي: فأهلكه.
وفي هذا النداء ما فيه من الكرب والضيق، حتى إنهم ليتمنون الموت لكي يستريحوا مما هم فيه من عذاب.
وهنا يجيئهم الرد بما يزيدهم غما على غمهم، وهو قوله - تعالى -: قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ أي: قال مالك في الرد عليهم: إنكم ماكثون فيها بدون موت يريحكم من عذابها، وبدون حياة تجدون معها الراحة والأمان.