قال أبو عبيد: يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالًا. والضمير في {وَقِيلِهِ} راجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. وقيل: الضمير عائد إلى المسيح، وعلى الوجهين فالمعنى: أنه قال مناديًا لربه {يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ} الذين أرسلتني إليهم {قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ} .
والمعنى: أي ويعلم سبحانه علم الساعة، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لربه شاكيًا قومه، الذين كذبوه، ولقي منهم شديد الأذى: يا رب إن هؤلاء المشركين الذين أمرتني بإنذارهم، وأرسلتني إليهم لتبليغهم دينك الحق قوم لا يؤمنون؛ أي: لا يريدون الإيمان.
89 -ولما شكا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه عدم إيمانهم، أجابه الله سبحانه وتعالى بقوله: {فَاصْفَحْ} يا محمد، وأعرض {عَنْهُمْ} ؛ أي: عن هؤلاء المشركين؛ أي: أعرض عن دعوتهم، واقنط من إيمانهم، {وَقُلْ} لهم أمري وشأني {سَلَامٌ} منكم؛ أي: سلامتي منكم، وتبّر منكم ومن دينكم، ومتاركة لكم، ولا تجبهم بمثل ما يخاطبونك به من سيء الكلام، بل تألفهم، واصفح عنهم قولًا وفعلًا، فليس المأمور به السلام عليهم والتحية، بل البراءة كقول إبراهيم عليه السلام لأبيه: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ} وقوله: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} ، وقال قتادة: أمره بالصفح عنهم ثم أمره بقتالهم،. فصار الصفح منسوخًا بالسيف، وقيل: محكمة لم تنسخ {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عاقبة أمرهم وسوء كفرهم، فإنك ستنصر عليهم، ويحل بهم بأسنا الذي لا يرد وإن تأخر، ففيه تهديد شديد، ووعيد عظيم من الله عز وجل، وقد أنجز الله وعده، وأنفذ كلمته، وأعلى دينه، وشرع الجهاد والجلاد، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، فله الحمد والمنة على إظهار الحق، وإعلاء مناره، وإزهاق الباطل، وكبح جماحه. وقرأ الجمهور: {يَعْلَمُونَ} بياء الغيبة مناسبًا قوله: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ} . وقرأ أبو جعفر والحسن والأعرج ونافع وهشام وابن عامر {تعلمون} بالفوقية. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 26/ 306 - 320} ...