وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
سورة الدخان
{حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) }
بدأ الأسلوب في هذا النّصّ عَلى طَرِيقة حديث المتكلّم عن نفسه: {إِنَّا أنْزَلْنَاهُ - إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ - أمراً من عِنْدِنا - إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} .
وبعد ذلك انتقل إلى أسلوب الحديث عن الغائب خلافاً لمقتضى الظّاهر {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} .
وفائدة هذا الالتفات التذكير بربوبيّة الله عزّ وجلّ والتوطئة لذكر بعض صفاته التي هي من متقضيات ولوازم كونه رَبّاً، مع الإِيجاز والاقتصاد في العبارة.
(فائدة)
بدأت السورة بحديث المتكلّم العظيم عن نفسه، وبعد ذلك حصل الالتفات من التكلُّم إلى الغيبة، فقال تعالى: {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} وكان الأسلوب النّمطِيُّ يستدعي أن يكون النّص: {رَحْمَةً منّا} .
والفائدة الخاصة في هذا الالتفات التنبيه على أنَّ كلّ أمرٍ حكيم يُفْرق بأمْر الله هو رحمةٌ من أَثَر صفةِ رُبوبيَّةِ الرَّبّ عزَّ وجلَّ.
ومن ذلك:
* قول الْحُصَيْنِ بنِ الْحُمَام في مُفَضَّليته يتحدّث عن الخيل في موقعةِ يوم"دَارةِ موضوع"بين بني سعد بن ذبيان، وبين بني سهم بن مُرَّة، وكان الْحُصَيْن قائد بني سهم، وكتب الله له فيها النصر، فجاء في قصيدته:
وَأَنْجَيْنَ مَنْ أَبْقَيْنَ مِنَّا بخُطَّةٍ ... مِنَ الْعُذْرِ لَمْ يَدْنَسْ وإِنْ كَانَ مُؤْلِماً
أَبَى لاِبْنِ سَلْمَى أَنَّهُ غَيْرُ خَالِدٍ ... مُلاَقِي المَنَايَا أَيَّ صَرْفٍ تَيَمَّمَا
فَلَسْتُ بمُبْتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبَّةٍ ... وَلاَ مُبْتَغٍ مِنْ رَهْبَةِ الْمَوْتِ سُلَّمَا
يَصِفُ الْحُصَيْنُ بن الْحُمَامُ خَيْلَ قَوْمه وقد نجّتْ من بقي منهم في معركتهم الظافرة، وأبان أنّ مَنْ بقي حيّاً فقد بقي بخُطَّةٍ يُعْذَر بها، إذْ لم يجبُنْ، بل أبلى بلاءً حسناً، فلَمْ يَدْنَسْ بفرار من المعركة.
وتحدَّث عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب فقال:"أبى لابن سلمى"بعد أن تحدّث عن نفسه بأسلوب التكلم مع قومه في قوله:"مَنْ أبْقَيْنَ مِنّا"وكان هو ممّن بقي.