81 -قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}
كثرت الوجوه في هذا التفسير، فالأصح منها، والذي عليه أكثر أهل العلم قول مجاهد، قال: يقول إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أول من عبد الله ووحده، واختاره الزجاج فقال: إن كان للرحمن ولد في قولكم كما قال: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} [النحل: 27] أي في قولكم، والله - عز وجل - لا شريك له. والمعنى إن كنتم تزعمون أن للرحمن ولدًا جل وعز فأنا أول الموحدين؛ لأن من عبد الله واعترف أنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد، واختاره ابن قتيبة فقال: لما قال المشركون لله ولد ولم يرجعوا عن مقالتهم بما أنزل الله على رسوله من التبرؤ من ذلك، قال الله لرسوله: قل لهم إن كان للرحمن ولد أي عندكم وفي ادعائكم فأنا أول العابدين؛ أي: أول الموحدين، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدًا وندًا فليس من العابدين، وإن اجتهد، ومنه قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أي ليوحدون، واختاره الأزهري أيضًا فقال: المعنى إن كان للرحمن ولد في دعواكم، فالله - عز وجل - واحد لا شريك له، وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد.
الوجه الثاني: أن يكون {الْعَابِدِينَ} من عبد بمعنى غضب، قال ابن عباس: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال: له ولد وأنشد:
متى ما يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَه ... وَيعْبَدْ عليه لا محالَة ظَالِما
قال: يريد وغضب، وهذا صحيح في اللغة، قال النضر: العبد: طول الغضب.
وروى أبو عبيد عن الفراء: عَبَدَ عليه وأحِنَ، أي: غضب، والعَبَد يكون بمعنى الأنف، ومنه قول الفرزدق:
وأَعْبَدُ أَنْ أهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِم