وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(33)
أي: لولا أن يصير الناس كلهم على ملة
واحدة - وهو دين الكفر - وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا.
في الآية دلالة التزهيد في الدنيا؛ لأنه ذكر أنه أعطى الكفار ما ذكر، لولا رعاية قلوب ضعفة الإيمان، حتى لا يتحولوا إلى دين الكفر، فما منع الكافر ما منع إنما منع بسبب المؤمن، فيجب أن يزهد فيها.
وفي الآية دلالة جوده وكرمه؛ حيث لم يمنع من عادى أولياءه وعاداه نعيم الدنيا، وفي الشاهد أن من عادى آخر يمنعه ذلك ما عنده من الفضل والمال.
وفيها دلالة هوان الدنيا على اللَّه - تعالى - على ما ذكره أهل التأويل؛ إذ لو كان لها عنده خطر وقدر لم يعط الكافر منها جناح بعوضة أو جناح ذبابة؛ فدل ذلك على هوانها على اللَّه تعالى.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث قالوا: ليس على اللَّه أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين؛ لأنه أخبر - تعالى - أنه لولا ما يختار أهل الإيمان الكفر والدخول فيه وإلا جعل لأهل الكفر ما ذكر من جعل النعم، فلو كان الأصلح واجبًا في الدنيا لكان يجب أن يعطي لأهل الإيمان مثل ذلك الذي ذكر أنه لو أعطى لأهل الكفر فيكونون جميعًا أهل كفر، وإذا أعطى ذلك لأهل الإيمان لا يكونون جميعًا أهل الإيمان، وهو الأصلح في الدِّين، ومع ذلك لم يعط - دل أنه ليس على اللَّه - تعالى - حفظ الأصلح لهم في الدِّين، ولا حفظ الأخير، واللَّه الموفق.