وقال المؤيد بالله:
سورة الزخرف
(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ(76)
(فصل في الضمير المتوسط بين المبتدأ والخبر وعواملهما)
وهذا كقولك كان زيد هو القائم، وزيد هو القائم، وظننت زيدا هو القائم قال الله تعالى: (وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ(58) [سورة القصص: 58] ، (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَ) [سورة الكهف: 39] وقوله تعالى: (وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ(76)
والكسائي وغيره من نحاة الكوفة يسمونه العماد، لمطابقته لما قبله، وسيبويه وغيره من نحاة البصرة يسمونه الفصل؛ لأنه ورد فاصلا بين كونه وصفا وغير وصف، فأما الدلالة على اسميته وموضعه من الإعراب فذكره إنما يليق بالمباحث الإعرابية، والذي نتعرض لذكره ههنا ما يختص بالبلاغة والفصاحة، وقد ورد في كتاب الله تعالى وفي غيره كما تلونا من هذه الآيات، فوروده إنما كان من أجل التأكيد المعنوي، وفيه دلالة على الاختصاص فقوله تعالى: (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ(254) [سورة البقرة: 254] وقوله تعالى: (وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ(76) ، (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَ) إلى غير ذلك من الضمائر التي وردت على هذه الصفة فإنها مفيدة للتأكيد كما ترى، لأن الكلام مع ذكرها أبلغ، فأنت لو قلت والكافرون الظالمون، ولكن كانوا الظالمين، وأسقطت هذه الضمائر، فإنك تجد فرقا بين الحالتين في التأكيد وعدمه، وكما هي مفيدة للتأكيد كما ترى ففيها دلالة على الاختصاص؛ لأنه إذا قال والكافرون هم الظالمون، فإنما جاء بالضمير ليدل على أنهم لكفرهم اختصوا بمزيد الظلم الفاحش، وقوله تعالى: (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) [سورة الأنفال: 4] فيه دلالة على مزيد اختصاصهم بالإيمان واستحقاقهم لصفته من بين سائر الخلق فيؤخذ الاختصاص والتأكيد من هذا الضمير كما أشرنا إليه.
(وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ(71)
فهذه نهاية الإيجاز، فإنه قد استولى على جميع اللذات كلها من غير إشارة إلى تفصيل. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...