والحدث هنا أنْ يُعرض الذين كفروا على النار، لكن مَنْ يُعرض على مَنْ؟ النار غير عاقل والكافرون عُقلاء، فالنار تُعرض عليهم كما تقول: عرضتُ القماش على المشتري، لكن يوم القيامة سيتبين لهم أن النار عاقلة وهم الذين سيُعرضون عليها.
واقرأ:
{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [ق: 30] وثبت في الحديث الشريف أنها تشتاق لأهلها من الكافرين والعاصين وأنها ستتكلم وتنطق.
والحق سبحانه يخاطب ما شاء بما شاء. إذن: لا نفهم هذه الآية بقوانين البشر، لأن لله قوانين أخرى مع الأشياء، لذلك لو علّمها الله لأحد من خَلْقه لعلمها وتعامل بها، كما رأينا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام
{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ..} [الأنبياء: 79] .
فكان يفهم لغة الحيوان والطير، لذلك لما سمع النملة وفهم منها تبسَّم ضاحكاً من قولها، وشكر المنعم عليه بهذه النعمة.
ومنهم من قال: إن في الآية قلباً كما تقول: عرضتُ الحوض على الناقة، والواقع أنك تعرض الناقة على الحوض لتشرب منه.
وقوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ..} [الأحقاف: 20] أي: يقال لهم هذا الكلام في الآخرة بعد أنْ تقوم الساعة. لكن هناك آية أخرى يظن البعض أنها تتعارض مع هذه.
وهي قوله تعالى:
{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] ففهموا منها أن العرض يكون في الدنيا لأنه عطف عليها بقوله:
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ..} [غافر: 46] .
لكن المتأمل في هذه الآية يجد أن هذا العرش ليس في الدنيا ولا في الآخرة، إنما في مرحلة البرزخ، كيف؟ لأن الغدو والعشي ناشئ من حركة الشمس ووجود الليل والنهار، والآخرة ليس فيها شيء من هذا.
فالآخرة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار
{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ..} [إبراهيم: 48] فنحن في الدنيا نعيش بالأسباب، أما في الآخرة فنعيش بالمسبِّب سبحانه الشمس تُنير لنا في الدنيا، أما الآخرة {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ..} [الزمر: 69] .
إذن: العرض هنا في البرزخ
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}