[غافر: 46] فالعرض ليس في الآخرة بل الدخول، فالعرض في الأولى غير العرض في الثانية، وما يدريك أنهم قبل أنْ يدخلوا النار يُعرضون عليها، لأن الصراط مضروب على متن جهنم، فيُعرضون على النار قبل أنْ يدخلوها.
وقوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ..} [الأحقاف: 20] هذه الآية حَلَّتْ لنا إشكالاً، حيث نرى أهل الكفر والإلحاد أكثر منا مالاً وزينة في الدنيا، والبعض يسأل عن المخترعين والمكتشفين من غير المسلمين الذين خدموا البشرية بعلومهم، هل لهم جزاء على ذلك؟
الجواب هنا {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا.} الأحقاف: 20] ولم يبق لهم نصيب في الآخرة، فهذه سنة الله التي لا تتبدل، فالله تعالى أعطى الأسباب للمؤمنين وللكافرين.
فمَنْ أحسن في الأسباب لم يُحرم ثمرة إحسانه. حتى لو كان كافراً، ومَنْ قعد وتخاذل حُرم ولو كان مؤمناً، لأن هذا عطاء الربوبية.
والذين قدَّموا للبشرية هذا العطاء وخدموها هذه الخدمة، أكان في بالهم الله؟ أبداً كان في بالهم الحضارة والتقدم وخدمة التاريخ والإنسانية، وقد أخذوا منها جزاءهم سمعة وصيتاً وتخليداً لذكراهم، أقاموا لهم التماثيل وألَّفوا فيهم الكتب.
إذن: أخذوا أجورهم ممَّنْ عملوا لهم وانتهت المسألة.
لذلك يقول تعالى في وصف حال هؤلاء:
{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39] .
فوجئ بإلهٍ يحاسبه لم يكُنْ في باله ساعة العمل، هذا حال الكافر، أما المؤمن فيعمل العمل في الدنيا وعَيْنه على الآخرة.
"يُروى أن سيدنا رسول الله مرّ على أهل الصُّفَّة فوجدهم يلبسون الملابس المخرَّقة ولا يجدون ما يُرقِّعونها به، فقال لهم: أيُّ أيامكم خير؟ أهذا اليوم أو يوم يُغدي عليكم بجفَانٍ ويُراح عليكم بجفان، وتغدون في حلة وتروحون في حُلة أخرى، وعلى أبوابكم ستائر مثل ستائر الكعبة".
وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان قبل الخلافة مشهوراً بأنه الفتى المدلَّل الذي يتقلب في النعيم ليل نهار، حتى إنه كان يلبس الحرير، وكان الخدم الذين يغسلون له ملابسه يأخذون من الناس رشوة ليغسلوا ملابسهم في الماء الذي غسل فيه ثياب عمر لكثرة ما بها من العطر والطيب.