الشاهد هنا أن السحر يأتي بمعنى التفوق عامة في أيِّ ناحية من نواحي الحياة. إذن: لما رأوا تصرُّفات موسى خضعوا له وسلَّموا له بالتفوق عليهم، وإنْ كانوا لم يؤمنوا به، ولكن لأنهم مقتنعون بتفوقه بل وبصدق دعوته ذهبوا إليه وطلبوا منه أنْ يدعو لهم، وأنْ يُفرِّج عنهم ما هم فيه من ضَنْك العيش.
فقالوا: {يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الزخرف: 49] إذن: يعترفون بصلته بربه، لكن ربه هو لا ربهم أيضاً بدليل {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الزخرف: 49] ولم يقولوا مثلاً: ربنا.
{بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} [الزخرف: 49] لأن ربك يطاوعك ويفعل لك ما تريد، ووعدك بكشف العذاب عمَّنْ آمن بك {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} [الزخرف: 49] يعني: لو كشفتَ عنَّا ما نحن فيه فسوف نهتدي ونؤمن بك.
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ}
إذن: قولهم {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} [الزخرف: 49] كانت مجرد كلمة تُقال نفاقاً من طرف اللسان، ليس لها رصيد من صدق الواقع؛ لأن الحق سبحانه كشف عنهم العذاب فعادوا لما كانوا عليه، ومعنى {يَنكُثُونَ} [الزخرف: 50] يرجعون إلى ما كانوا عليه، وينقضُون العهد الذي قطعوه على أنفسهم بأنْ يهتدوا.
{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ ياقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}
هنا يشعر فرعون بالخطر، وتهتز مكانته أمام قومه، يشعر أن موسى يسحب البساط من تحت قدميه حيث تتجه إليه الأنظار خاصة بعد حادثة السحرة الذين آمنوا بربِّ هارون وموسى ولم ينتظروا إذناً من فرعون.
وبعد أنْ نزل بهم القحط، وأصابهم الجَدْب حتى يئسوا فتوجَّهوا إلى موسى وطلبوا منه كشْف ما هم فيه، لذلك نرى فرعون يحاول أنْ يعيد مكانته ويُحسِّن صورته أمام قومه.
{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} [الزخرف: 51] بماذا نادى مُناديه؟
{قَالَ ياقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] يعني: انتبهوا إلى مكانتي ومُلْكي وقدرتي عليكم ولا تهتموا بأمر موسى، فأنا لا أزال مَلِك مصر، والأنهار تجري من تحتي. يعني: لا أزال وليَّ نعمتكم.