وتأمل تذييل هاتين الآيتين، مرة: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 48] ومرة {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130] فالحق سبحانه لا يُعذِّب خَلْقه لأنه يحب أن يعذبهم إنما يعذبهم ليعودوا إليه، فحتى العذاب هنا رحمة بهم.
فَقَسَا ليَزْدَجِرُوا ومَنْ يَكُ حَازِماً ... فَلْيَقْسُ أَحْيَاناً عَلَى مَنْ يرْحَمُ
وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 48] أي: عن المكابرة والجدال والعناد، لكن هل رجعوا؟ أبداً ظَلُّوا على كفرهم وجحودهم، حتى بعد أنْ أخذهم اللهُ بالسنين يعني: القحط وجَدْب الأرض وجفافها، فنتج عن ذلك نقص الثمرات وضيق العيش.
ثم بعد ذلك كله
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ} [الأعراف: 133] يعني: آيات واضحة الدلالة بيِّنة، فأصبحوا في ضيق وهُزَال مشغولين بلقمة العيش، فذهبوا إلى موسى عليه السلام بعد أنْ يئسوا وقالوا:
{وَقَالُواْ يَاأَيُّهَ ...} .
{وَقَالُواْ يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ}
كلمة الساحر هنا لا تعني اعترافهم بتفوقه في مجال السحر فحسب، إنما تعني الرجل الماهر في كل شيء، المتفوق عليهم في السحر وفي العلم وفي الإحاطة بأمور الحياة، يعني لا مثيل له.
وهذا يُذكِّرُنا بموقف من سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث"وفد عليه الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وهما من سادة العرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن الأهتم: ما تقول في الزبرقان بن بدر؟ فقال: يا رسول الله مطاع في ناديه شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره، فقال الزبرقان: يا رسول الله والله إنه ليعلم مني أكثر مما وصفني به ولكنه حسدني."
فقال عمر: والله يا رسول الله إنه زَمِرُ المروءة ضيق العطن لئيم الخال أحمق الموالد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن الأهتم: وما حملك على أنْ تقولَ ما قُلْتَ؟ فقال: يا رسول الله رضيت، فقلت أحسن ما أعلم، وغضبتُ فقلتُ أسوأ ما أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ منَ البيَانِ لسحْراً".