فقد تَرى في التفسيرِ أنَّ"جعلَ"يكون بمعنى"سمَّى"، وعلى ذاك فلا شبْهةَ في أنْ ليس المعنى على مجرَّدِ التسمية، ولكنْ على الحقيقة التي وصفْتُها لكَ. وذاكَ أنَّهم اثْبَتوا للملائكةِ صفةَ الإناثِ واعتقدوا وُجودَها فيهم، وعن هذا الاعتقادِ صدرَ عنهم ما صدَر من الاسْم أعني إطلاقَ اسْمِ"البنات"وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظَ"الإناثِ"ولفظَ"البناتِ"، من غير اعتقادِ معنى وإثباتِ صفةٍ. هذا محالٌ.
517 -أوَ لا تَرى إلى قولهِ تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلون} ، فلو كانوا لم يَزيدوا على إجراءِ الاسْمِ على الملائكة، ولم يَعتِقدوا إثباتَ صفةٍ لما قال الله تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} . هذا ولو كانوا لم يَقْصِدوا إثباتَ صفةٍ، ولم يكنْ غيرَ أن وَضَعوا اسْماً لا يُريدونَ به معنىً، لَمَا استحقُّوا إلاَّ اليسيرَ من الذَّم، ولما كان هذا القولُ منهم كُفْراً. والتفسيرُ الصحيحُ والعبارةُ المستقيمةُ، ما قاله أبو إسحاقٍ الزجَّاج رحِمَه الله، فإِنه قال: إن"الجعلَ"ههنا في معغنى القَوْلِ والحُكْمِ على الشيء، تقول:"قد جَعَلْتُ زيداً أعلمَ الناسِ"، أي وصفْتَه بذلك وحكمْتَ به.
تعرف"الاستعارة"من طريق المعقول دون اللفظ، وكذلك"الكناية".
(فصل آخر)
فأما قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً}
فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، وذلك أنهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث، واعتقدوا وجودها فيهم. وعن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم أعني إطلاق اسم البنات، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظ الإناث، أو لفظ البنات، اسما من غير اعتقاد معنى، وإثبات صفة، هذا محال لا يقوله عاقل أو ما يسمعون قول الله عز وجل: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ}
فإن كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنى، فأيّ معنى لأن يقال: «أشهدوا خلقهم» ؟ هذا، ولو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة، ولم يفعلوا أكثر من أن وضعوا اسما، لما استحقّوا إلّا اليسير من الذّم، ولما كان هذا القول كفرا منهم. والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى ولكن قد يكون للشيء المستحيل وجوه في الاستحالة فتذكر كلّها، وإن كان في الواحد منها ما يزيل الشبهة ويتمّ الحجّة. انتهى انتهى {دلائل الإعجاز، للجرجاني} ...