من مصائب فذلك بما كسبت أيديهم من ذنوب اكتسبوها، ولولا عفوه وتجاوزه عن
أهل الأرض ما ترك على ظهرها من دابة.
قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(32) . الأعلام:
الجبال، والجواري: الفلك والسفن، واحدهن: جارية، قد تقدم الكلام على الاعتبار
بها بما فيه تنبيه وإلماع إلى المقصود، غير أن جريها بالريح الطيبة وعلى المرغوب
منها آية لكل صبار شكور على جريها بهم فيما هنالك في أنهار الجنة، وكونها راكدة
والريح ساكنة عنها دلالة على الجريان والتوقيف في يوم العرض؛ إذ لا عمل له
يرجيه إلى مرغوبه هناك، وكذلك في دار البرزخ وإهلاكها بالرياح العواصف آية
تدل على عذاب أهل النار بهن يضطرون إلى ركوبهن في بحار الحميم والغساق نار في نار.
آية ذلك: اضطرار أهل الدنيا إلى ركوب البحار بالحرص والأطماع، فإذا
لحجوا بهن فيما هنالك جاءتهم عواصف الرياح العتمة فأغرقتهم بما كسبوه في الدنيا كما تغرق أهل الدنيا فيما هاهنا بذنوبهم، ثم يدخل الاعتبار بعضه على بعض،
لذلك وهو أعلم قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) إلى قوله - عز من قائل:
(وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35) . أي: فيما
هنالك.
وقال: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ(32) . نظم بذلك ما هو
كمال للعبرة قوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35)
عطف بالواو في قوله: (وَيَعْلَمَ) والله أعلم بما ينزل، على محذوف
من ذكر ما هو معلوم لكل صبار شكور، بذلك تبين للصبار الشكور ما هو في
مقابلته ومناله فيما هنالك.
ثُمَّ قال: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا) ويكذبون بها غدًا فيما هنالك إذا
اضطروا إلى ذلك العذاب (مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) كما قال:(ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى
عَذَابٍ غَلِيظٍ)ومن قرأ"ويعلمَ"بالنصب من يعلم، فتقديره: ذلك من
آياتنا في الدنيا على ما في الآخرة من أمثالها ليعلم ذلك، وأنهم ما لهم عن ذلك من
محيص.