وأما قولنا إلا رجل إلا فِي الدار فهو الدار فهو نقيض قولنا لا رجل فِي الدار ولكن قولنا: لا رجل إلا فِي الدار يفيد ثبوت رجل واحد، فقولنا لا رجل فِي الدار يفيد ثبوت رجل واحد، فقولنا لا رجل فِي الدار وجب أن يفيد عموم النفي، حتى يتحقق التناقض بين القولين والحاصل أن قولنا لا رجل أقوى فِي الدلالة على عموم النفي من قولنا لا رجل، مع أن كل واحد منهما يفيد عموم النفي، ولأجل أن كل واحد منهما يفيد العموم قرئ (لا ريب فيه) بالقراءتين، وكذا قوله (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال) .
ولأجل أن البناء على الفتح أقوى فِي الدلالة على العموم اتفقوا عليه فِي قولنا لا إله إلا الله.
البحث السادس:
من الناس من يقول: إن تصور الإثبات مقدم على تصور النفي بدليل أن الواحد منا يمكنه أن يتصور الإثبات وأن لم يخطر بباله معنى النفي والعدم ويمتنع عليه أن يتصور العدم والنفي إلا وقد تصور أولاً الإثبات، وذلك لأن العدم المطلق غير معقول، بل العدم لا يعقل إلا إذا أضيف إلى معين، فيقال: عدم الدار، وعدم الغلام، فثبت أن تصور الإثبات أصل ومتقدم، وتصور النفي متأخر وفرع.
وإذا ثبت هذا فما السبب فِي أن جعل النفي الذي هو الفرع متقدماً، والإثبات الذي هو الأصل مؤخر؟
والجواب: أن فِي تقديم النفي هاهنا على الإثبات أغراضاً:
الأول: أنه نفي الربوبية عن غيره ثم أثبتها له أكد فِي الإثبات من إثباتها له من غير نفيها عن غيره، كما أن قول القائل: ليس فِي البلد عالم غير فلان أقوى فِي باب المدح من قولنا: فلان عالم البلد.