«فإن قلت» : فلم خُص الاثنان بالذكر دون الجمع في قوله: فأصلحوا بين أخويكم - ؟
قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين.
هذا، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين جملة من الأحكام منها:
أن الأصل في العلاقة بين المؤمنين أن تقوم على التواصل والتراحم، لا على التنازع والتخاصم، وأنه إذا حدث نزاع بين طائفتين من المؤمنين، فعلى بقية المؤمنين أن يقوموا بواجب الإِصلاح بينهما حتى يرجعا إلى حكم الله تعالى.
(قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)
وقوله: {أَسْلَمْنَا} من الإِسلام بمعنى الاستسلام والانقياد الظاهرى بالجوارح، دون أن يخالط الإِيمان شغاف قلوبهم. أي: قالت الأعراب لك - أيها الرسول الكريم - آمنا وصدقنا بقلبونا لكل ما جئت به، وامتثلنا لما تأمرنا به وتنهانا عنه.
قل لهم {لَّمْ تُؤْمِنُواْ} أي: لم تصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب وخلوص نية. .
{ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} أي: ولكن قولوا نطقنا بكلمة الإِسلام: واستسلمنا لما تدعونا إليه استسلاما ظاهريا طمعا في الغنائم، أو خفوا من القتل.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ما وجه قوله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال: قل لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا. .
قلت: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا، ودفع ما انتحلوه، فقيل: قل لم تؤمنوا، وروعى في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح بلفظه، حيث لم يقل: كذبتم، ووضع،"لم تؤمنوا"الذي هو نفى ما ادعوا إثباته موضعه. .
واستغنى بالجملة التي هي"لم تؤمنوا"عن أن يقال: لا تقولوا آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإِيمان. .
وقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} جملة حالية من ضمير،"قولوا"و"لما"لفظ يفيد توقع حصول الشيء الذي لم يتم حصوله.
أي: قولوا أسلمنا والحال أنه لم يستقر الإِيمان في قلوبكم بعد، فإنه لو استقر في قلوبكم لما سلكتم هذا المسلك، ولما مننتم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإسلامكم.