عاش رضي الله عنه نيفا وستين سنة، وكان الناس في زمانه في عيشة راضية، وأحوال حسنة، وكان رضي الله عنه كثير الأمراض والأسقام حصل له في آخر عمره ضعف شديد أقام به نحو سنة، ثم تزايد مرضه في العشر الأول من ذي الحجة الحرام، فلما كانت ليلة الحادي عشر اشتد به الأمر واحتضر، ولم يزل في النزع إلى ثلث الليل الأول من الليلة المذكورة، ثم توفي رحمه الله تعالى سعيدا حميدا في ليلة الجمعة حادي عشر ذي الحجة الحرام سنة سبعة وعشرين وثمانمائة، ولما أخبر الناس بوفاته عظم مصابه على المسلمين، ووقع النوح والبكاء والأسف في أقطار البلدان حتى طوائف المخالفين للملة من النصارى وغيرهم، وصاروا يبكون ويتوجعون ويتأسفون على فراقه، وكيف لا، وهو إمام العصر، علامة الدهر حق فيه قول القائل:
حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفّر
رضي الله عنه ورضي عنا به، ونفعنا ببركته في الدين والدنيا والآخرة، فشرعوا في تجهيزه وغسله، فكنت ممن حضر غسله، ولكن لم يكن ذهني معي في تلك الساعة لما جرى علينا من المصيبة بفقده، كيف لا، وقد كان والدا شفوقا وبارا محسنا عشوقا، فلما انتهى غسله رضي الله عنه جاء القضاء والنواب والكشاف والولاة وحملوه على أعناقهم ومضوا به إلى جامع الخطبة بالمحلة فضاق بهم الجامع على سعته، وضاقت بهم الشوارع والسكك والطرقات من كثرة الناس، فلم ير أكثر جمعا ولا أغزرها دمعا من ذلك اليوم، وهذا دليل على أنه كان قطب أهل زمانه.
قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: بيننا وبينهم الجنائز. يريد بذلك اجتماع الناس، والله أعلم. فارتفع نعشه على أعناقهم وتقدم للصلاة شيخه العارف بالله تعالى سيدي سليمان الدواخلي نفعنا الله ببركته، ودفن يوم الجمعة بزاويته التي أنشأها بسندفا مع والده الشيخ الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين سراج الدين أبي حفص عمر الطريني المالكي في قبر واحد. نفعنا الله ببركته، وجعل الجنة منقلبه ومثواه، وحشرنا وإياه في زمرة سيد الأولين والآخرين محمد خاتم النبيين، وأفضل المسلمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ونسأله لنا التوفيق والإعانة، وأن يمتع المسلمين بطول بقاء أخيه سيدنا ومولانا الشيخ شمس الدين محمد الطريني أدام الله أيامه للمسلمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. انتهى انتهى {المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي} ...