وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) لا يفهم من قرب الرب - تعالى - إلى العبيد ما يفهم من قرب العبد إلى اللَّه - تعالى - وإنما يكون قرب العبد إلى اللَّه - تعالى - بالطاعة له، والقيام بأمره، والانقياد والخضوع له؛ هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى اللَّه - تعالى - لا قرب شيء من شيء آخر؛ فعلى ذلك يفهم من قرب اللَّه - تعالى - إلى العبد الإجابة له، والنصرة، والمعونة، والتوفيق على الطاعات، وعلى ذلك ما يقال: فلان قريب إلى فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه والمكان، ولكن يعنون نصره له، ومعونته إياه، وإجابته.
ويحتمل أن يذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهرًا وباطنًا، واللَّه أعلم.
وأصله أن تعتبر الأحوال فيما ذكر من القرب، فإن كان في السؤال فالمراد أنه قريب منه بالإجابة له؛ أي: يجيبه؛ كقوله - تعالى -: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) وإن كان فيما يسرون ويضمرون فيفهم من القرب في تلك الحالة العلم به؛ كقوله - تعالى -: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ...) الآية؛ فعلى ذلك قوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، وقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) ، يفهم منه النصر والمعونة، أو العلم؛ فيكون قوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) . أي: أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة، وأولى به في الإجابة، والله أعلم.
وعلى ذلك يخرج ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"من تقرب إلى اللَّه شبرًا تقرب منه شبرين"على ما ذكرنا من قرب الطاعة له، وقرب الرب إليه: بالنصر والمعونة، لا قرب المكان، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَبْلِ الْوَرِيدِ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: عرق العنق، والوريد: العنق.