والطبيعة البشرية كلما التوت وانحرفت عن التوحيد والطاعات، إلى الشرك والمعاصي، تحتاج إلى رادع وزاجر يزجرها عما يهلكها، ويردها إلى بارئها.
فطبيعة بني إسرائيل بعدما أفسدها طول الذل والعبودية لفرعون، أرسل الله موسى - صلى الله عليه وسلم - لإنقاذها من عبودية فرعون، الذي كان من المفسدين، إلى عبودية رب العالمين.
فجاءت كل الأوامر من الله لبني إسرائيل مصحوبة بالتشديد والتوكيد تربيةً لهذه الطبيعة التي ارتخت والتوت، وانحرفت عن الاستقامة والجد كما قال سبحانه عن موسى - صلى الله عليه وسلم: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) } [الأعراف: 145] .
ومثل طبيعة بني إسرائيل، كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل لغير الله من الطغاة، فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبًا للمشقة، كما هو ملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة، لتهرب من تكاليفها، وتسير سائمة هائمة مع القطعان الضالة، لأن السير معها لا يكلفها شيئًا.
إن هذا الإنسان عجيب في خلقه .. عجيب في فكره .. عجيب في أعماله.
إنه لا يذكر الله إلا في ساعة العسرة، ولا يثوب إلى فطرته وينزع عنها ما غشاها من شوائب وانحرافات إلا في ساعة الكربة.
فإذا أمن هذا الإنسان فإما النسيان .. وإما الطغيان .. أو كلاهما.
إلا من اهتدى فبقيت فطرته سليمة حية مستجيبة في كل آن، مجلوة بجلاء الإيمان: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) } [العنكبوت: 65] .
والبغي من المحرمات المهلكات، سواء كان بغيًا على النفس، خاصة بإيرادها موارد الهلكة، أو كان بغيًا على الناس بظلمهم.
وأعظم البغي وأشده، وأبشعه وأشنعه، البغي على ألوهية الله سبحانه، واغتصاب الربوبية ومزاولتها في عباده ظلمًا وعدوانًا.