وقدم فيها المسند إليه مع أن مقتضى الظاهر أن يقدم المسند وهو {كاهن} أو {مجنون} لأن المقام يقتضي الاهتمام بالمسند ولكن الاهتمام بالضمير المسند إليه كان أرجح هنا لما فيه من استحضار معاده المشعر بأنه شيء عظيم وأفاد مع ذلك أن المقصود أنه متصف بالخبر لا نفس الإِخبار عنه بالخبر كقولنا: الرسول يأكل الطعام ويتزوج النساء.
وأفاد أيضاً قصراً إضافياً بقرينة المقام لقلب ما يقولونه أو يعتقدونه من قولهم: هو كاهن أو مجنون ، على طريقة قوله تعالى: {وما أنت علينا بعزيز} [هود: 91] .
وقرن الخبر المنفي بالباء الزائدة لتحقيق النفي فحصل في الكلام تقويتان ، وجيء بالحال قبل الخبر ، أو بالجملة المعترضة بين المبتدأ والخبر ، لتعجيل المسرة وإظهار أن الله أنعم عليه بالبراءة من هذين الوصفين.
وعدل عن استحضار الجلالة بالاسم العلم إلى تعريفه بالإِضافة وبوصفه الرب لإِفادة لطفه تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم لأنه ربه فهو يربُّه ويدبر نفعه ، ولتفيد الإضافة تشريف المضاف إليه.
وقوله تعالى: {فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون} ردّ على مقالة شَيبة بن ربيعة قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كاهن ، وعلى عقبة بن أبي معيط إذ قال: هو مجنون ، ويدل لكونه رداً على مقالة سبقت أنه أتبعه بقوله: {أم يقولون شاعر} [الطور: 30] ما سيكون وما خفي مما هو كائن.
والكاهن: الذي ينتحل معرفة ما سيحدث من الأمور وما خفي مما هو كائن ويخبر به بكلام ذي أسْجاع قصيرة.
وكان أصل الكلمة موضوعة لهذا المعنى غير مشتقة ، ونظيرها في العبرية (الكوهين) وهو حافظ الشريعة والمفتي بها ، وهو من بني (لاوي) ، وتقدم ذكر الكهانة عند قوله تعالى: {وما تنزلت به الشياطين} في سورة الشعراء (210) .