ثم إن ذلك يُتخلص منه إلى إبطال حجتهم وإثبات البعث وهو المقصود بقوله: {قد علِمْنا مَا تنقصُ الأرض منهم إلى قوله: كذلك الخروج} [ق: 4 11] .
فقد حصل في ضمن هاتين الفاصلتين خصوصيات كثيرة من البلاغة: منها إيجاز الحذف ، ومنها ما أفاده الإضراب من الاهتمام بأمر البعث ، ومنها الإيجاز البديع الحاصل من التعبير بـ {منذر} ، ومنها إقحام وصفه بأنه {منهم} لأن لذلك مدخلاً في تعجبهم ، ومنها الإظهار في مقام الإضمار على خلاف مقتضَى الظاهر ، ومنها الإجمال المعقب بالتفصيل في قوله: {هذا شيء عجيب أئذا متنا} الخ.
وعبُر عنهم بالاسم الظاهر في {فقال الكافرون} دون: فقالوا ، لتوسيمهم فإن هذه المقالة من آثار الكفر ، وليكون فيه تفسير للضميرين السابقين.
والإشارة بقولهم {هذا شيء عجيب} إلى ما هو جار في مقام مقالتهم تلك من دعاء النبيء صلى الله عليه وسلم إياهم للإيمان بالرَّجْع ، أي البعث وهو الذي بينتْه جملة {أئذا متنا وكنا تراباً} إلخ.
والاستفهام مستعمل في التعجيب والإبطال ، يريدون تعجيب السامعين من ذلك تعجيب إحالة لئلا يؤمنوا به.
وجعلوا مناطَ التعجيب الزمانَ الذي أفادته (إذا) وما أضيف إليه ، أي زمنَ موتنا وكونِنا تراباً.
والمستفهم عنه محذوف دل عليه ظرف {أئذا متنا وكنا تراباً} والتقدير: أنرجع إلى الحياة في حين انعدام الحياة منا بالموت وحين تفتت الجسد وصيرورته تراباً ، وذلك عندهم أقصى الاستبعاد.
ومتعلقّ (إذا) هو المستفهم عنه المحذوف المقدَّر ، أي نُرجَع أو نعود إلى الحياة وهذه الجملة مستقلة بنفسها.
وجملة {ذلك رجع بعيد} مؤكدة لجملة {أئذا متنا وكنا تراباً} بطريق الحقيقة والذِكر ، بعد أن أُفيد بطريق المجاز والحذف ، لأن شأن التأكيد أن يكون أجلى دلالة.
والرَّجع: مصدر رجَع ، أي الرجوع إلى الحياة.
ومعنى {بعيد} أنه بعيد عن تصور العقل ، أي هو أمر مستحيل.