ثالثها: أن ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل، وهذا على قولنا بأن المراد جبريل صحيح، والوجهان المتقدمان على قولنا المراد محمد عليه الصلاة والسلام أظهر، وفيه وجه غريب من حيث العربية مشهور معناه عند الأصوليين، ولنبين ذلك في معرض الجواب عن سؤال، وهو أن يقال بم عرف محمد صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله وليس أحداً من الجن، والذي يقال إن خديجة كشفت رأسها امتحاناً في غاية الضعف إن ادعى ذلك القائل أن المعرفة حصلت بأمثال ذلك، وهذا إن أراد القصة والحكاية، وإن خديجة فعلت هذا لأن فعل خديجة غير منكر وإنما المنكر دعوى حصول المعرفة بفعلها وأمثالها، وذلك لأن الشيطان ربما تستر عند كشف رأسها أصلاً فكان يشتبه بالملائكة فيحصل اللبس والإبهام؟ والجواب الصحيح من وجهين أحدهما: أن الله أظهر على يد جبريل معجزة عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بها كما أظهر على يد محمد معجزات عرفناه بها وثانيهما: أن الله تعالى خلق في محمد صلى الله عليه وسلم علماً ضرورياً بأن جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان كما أن الله تعالى خلق في جبريل علماً ضرورياً أن المتكلم معه هو الله تعالى وأن المرسل له ربه لا غيره.
إذا علم الجوابان فنقول قوله تعالى:
فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)
فيه وجهان أحدهما: أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحاه إلى جبريل أي كلمه الله أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً ثانيهما: أوحى إلى جبريل ما أوحى إلى محمد دليله الذي به يعرف أنه وحي، فعلى هذا يمكن أن يقال ما مصدرية تقديره فأوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم الإيحاء أي العلم بالإيحاء، ليفرق بين الملك والجن. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 28 صـ 239 - 249}