بَعْدَ هذا العرض الذي جاء بأسلوب حكايةِ خَبَرٍ، يُفَاجئ النّصّ بعرض صُورَةِ مقتطعةٍ من الحدث الماضي، دون أنْ تُقَدَّمَ بأسلوب حكاية خَبَرٍ، فقال الله عزّ وجلّ: {سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر * إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ فارتقبهم واصطبر * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} [الآيات: 26 - 28] .
فِتْنَةً لَهُمْ: أي: امْتَحَاناً لَهُمْ.
كُلُّ شِرْبٍ مُخْتَضَرٌ: الشِّرْبُ: النّصيب من الماء الذي يُشْرَب، ووقْتُ الشُّرب.
والمعنى كلُّ ذي نصيب من الماء يحضُرُ في الوقْتِ المحدّد لأخذ نصيبه منه.
هذا ما قاله الله عزّ وجلّ لصالح عليه السلام إبّانَ الحدَث، جاءَ مقْتطعاً ومُقَدَّماً ضمن عرض حكاية ما جرى من ثمود، وقد جاء في موقعه من القصّة.
ويستأنِفُ النَّصُّ بعد هذا العرض المقتطع بصيغته من الحدث الماضي، دون أن يُورَدَ بأسلوب حكاية خَبَر، فَيَرْجِعُ إلى أُسْلوب حكاية مَا جَرَى حكايةً خبريّة، فقال الله عزّ وجلّ: {فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ} [الآية: 29] .
أي: فتطاول فعقَرَ ناقَةَ الله.
وبعده يَطْرَحُ تساؤلاً على متلقّي القرآن ومتدبّري ما جرى لثمود، فيقول تعالى:
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [الآية: 30] ؟؟
وهذا التساؤل لا بُدَّ أن يَردَ في أذهان متلقيّ أحداث قصّة ثمود، ويأتي الجواب عليه بقوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر} [الآية: 31] .
أي: كأكوام حطبٍ وشَوك أعدها صانِعُ حظيرة لدوابّه.
{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) }
فدلّ تقديم"صَغير"على أنّ الشُّمُول في كتابةِ كلّ الأفعال متحقق دون استثناء ما يراه الناس صغيراً ومن المحتقرات. انتهى انتهى {البلاغة العربية، لحَبَنَّكَة} ...