ثم أخبر تعالى أنه الخالق ، وحضض على التصديق على وجه التقريع ثم ساق الحجة الموجبة للتصديق ، كان معترضاً من الكفار قال: ولم أصدق؟ فقيل له: أفرأيت كذا وكذا الآيات ، وليس يوجد مفطور يخفى عنه أن المني الذي يخرج منه ليس له فيه عمل ولا إرادة ولا قدرة. و {أم} في قوله: {أم نحن} ليست المعادلة عند سيبويه ، لأن الفعل قد تكرر ، وإنما المعادلة عنده: أقام زيد أم عمرو ، وهذه التي في هذه الآية معادلة عند قوم من النحاة ، وأما إذا تغاير الفعلان فليست بمعادلة إجماعاً.
وقرأ الجمهور:"تُمنون"بضم التاء ، وقرأ ابن عباس وأبو السمال"تَمنون"بفتح التاء ، ويقال أمنى الرجل ومنى بمعنى واحد.
وقرأ جمهور القراء:"قدّرنا"بشد الدال. وقرأ كثير وحده:"قدَرنا"بتخفيفها. والمعنى فيها يحتمل أن يكون بمعنى قضينا وأثبتنا ، ويحتمل أن يكون بمعنى سوينا ، وعدلنا التقدم والتأخر ، أي جعلنا الموت رتباً ، ليس يموت العالم دفعة واحدة ، بل بترتيب لا يعدوه أحد.
وقال الطبري معنى الآية:"قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم"أي تموت طائفة ونبدلها بطائفة ، هكذا قرناً بعد قرن.
وقوله: {وما نحن بمسبوقين} على تبديلكم إن أردناه وإن ننشئكم بأوصاف لا يصلها عملكم ولا يحيط بها كفركم. قال الحسن: من كونكم قردة وخنازير.
قال القاضي أبو محمد: تأول الحسن هذا ، لأن الآية تنحو إلى الوعيد ، وجاءت لفظة"السبق"هنا على نحو قوله عليه السلام:"فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا لا تفوتنكم".