الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرُّهبان كالرُّضْوانية من الرُّضْوان ؛ وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع ؛ وذلك أن ملوكهم غيّروا وبَدّلوا وبقي نفر قليل فترهّبوا وتبتّلوا.
قال الضحاك: إن ملوكاً بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة ، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم ، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم ، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع.
وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع.
وفي خبر مرفوع:"هي لحوقهم بالبراري والجبال" {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها ؛ قاله ابن زيد.
وقوله تعالى: {إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله} أي ما أمرناهم إلا بما يرضي الله ؛ قاله ابن مسلم.
وقال الزجاج: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} معناه لم نكتب عليهم شيئاً البَتّة.
ويكون {ابتغآء رِضْوَانِ الله} بدلاً من الهاء والألف في"كَتَبْنَاهَا"والمعنى: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله.
وقيل: {إِلاَّ ابتغآء} الاستثناء منقطع ، والتقدير ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.
{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي فما قاموا بها حق القيام.
وهذا خصوص ؛ لأن الذين لم يرعوها بعض القوم ، وإنما تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} [التوبة: 34] وهذا في قوم أدّاهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر.