الثانية: أنه إذا نال ذلك الحظ من محبوبه فترت محبته وسكن قلبه وترحل قاطن المحبة من قلبه، كما قيل: من ودَّك لأمر ولَّى عند انقضائه. فهذه محبة مشوبة بالعلل.
بل المحبة الخالصة أن يحب المحبوب لكماله، وأنه أهل أن يحب لذاته وصفاته.
وأن الذي يوجب هذه المحبة فناءُ العبد عن إرادته لمراد محبوبه، فيكون عاملاً على مراد محبوبه منه لا على مراده هو من محبوبه.
فهذه هي المحبة الخالصة من درن العلل وشوائب النفس، وهي التي تستلزم إيثار المحبوب على غيره ولا بد وكلما كان سلطان هذه المحبة أقوى كان هذا الإيثار أتم تتزايد، وفي مثل هذا قيل:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمرك في القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إِن المحب لمن يحب مطيع
وهاهنا دقيقة ينبغي التفطن لها، وهي أن إيثار المحبوب نوعان:
إيثار معاوضة ومتاجرة، وإيثار حب وإرادة.
فالأول: يؤثر محبوبه على غيره طلباً لحظه منه، فهو يبذل ما يؤثره ليعاوضه بخير منه.
والثاني: يؤثره إجابة لداعي محبته، فإن المحبة الصادقة تدعوه دائماً إلى إيثار محبوبه، فإيثاره هو أجلّ حظوظه، فحظه في نفس الإيثار لا في العوض المطلوب بالإيثار، وهذا لا تفهمه إلا النفس اللطيفة الورعة المشرقة، وأما النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا، وما هو بعشها فتلدرج.
والدين كله والمعاملة في الإيثار، فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك، حتى قيل إن من شرطه الاحتياج من جهة المؤثر، إذ لو لم يكن محتاجاً إليه لكان بذله سخاءً وكرماً.
وهذا إنما يصح في إيثار المخلوق، والله سبحانه يؤثر عبده على غيره من غير احتياج منه سبحانه فإنه الغني الحميد، وفي الدعاء المرفوع:"اللَّهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا".
وقيل: من آثره الله على غيره آثره الله على غيره.
والفرق بين الإيثار والأثرة أن الإيثار تخصيص الغير بما تريده لنفسك والأثرة اختصاصك به على الغير.
وفي الحديث:"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا".
فإذا عرف هذا، فالإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق. وإن تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتاً، ولا يفسد عليك حالاً، ولا يهضم لك ديناً ولا يسد عليك طريقاً، ولا يمنع لك وارداً.