[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي حجة القراءات فِي السورة الكريمة)
قَالَ الإمامُ أَبُو عَلِيٍّ الفارسيُّ:
ذكر اختلافهم في سورة التحريم
[التحريم: 3]
قرأ الكسائي وحده: عرف بعضه [3] خفيفة.
الباقون: عرف مشدّدة.
وجه التخفيف لقول الكسائي عرف بعضه أنه جازى عليه، لا يكون إلا كذلك، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يكون عرف الذي معناه علم، أو الذي ذكرنا، فلا يجوز أن يكون من باب العلم، لأن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم، إذا أظهره اللَّه على ما أسرّة إليها علم جميع ذلك، ولم يجز أن يعلم من ذلك مع إظهار اللَّه إياه عليه بعضه، ولكن يعلم جميعه، فإذا لم يجز حمله على هذا الوجه، علمت أنه من المعنى الآخر، وهذا كما تقول لمن يسيء أو يحسن: أنا أعرف لأهل الإحسان، وأعرف لأهل الإساءة، أي: لا يخفى عليّ ذلك، ولا مقابلته بما يكون وفقا له.
وقد قرأ بالتخفيف غير الكسائي منهم فيما زعموا الحسن وأبو عبد الرحمن، وكأنّ معنى عرف بعضه جارى على بعض ذلك، وأغضى عن بعض. ومثل عرف بعضه فيمن خفّف قوله: وما تفعلوا
من خير يعلمه الله [البقرة / 197] ، ومثله، أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم [النساء / 63] ، ومثله: ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره [الزلزلة / 7] ، فقوله يره من رؤية العين، أي: يرى جزاءه، فحذف المضاف كما حذفه من قوله: وهو واقع بهم [الشورى / 22] أي:
جزاؤه واقع بهم، وكان مما جازى عليه تطليقه حفصة واحدة.
وأما عرف بالتشديد فالمعنى: عرّف بعضه وأعرض عن بعض، فلم يعرّفه إياها على وجه التكرّم والإغضاء.
[التحريم: 4]
قال: قرأ ابن كثير: وجبريل* [التحريم / 4] بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وقرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم: وجبريل وكذلك المفضل، وقرأ عاصم في رواية يحيى:
وجبرئل* مفتوح الراء والجيم مقصورة، وقرأ حمزة والكسائي: