الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ... (4) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ أَيَّتُهَا الْمَرْأَتَانِ فَقَدْ مَالَتْ قُلُوبُكُمَا إِلَى مَحَبَّةِ مَا كَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِ اجْتِنَابِهِ جَارِيَتَهُ، وَتَحْرِيمِهَا عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ تَحْرِيمِ مَا كَانَ لَهُ حَلَالًا مِمَّا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ حَفْصَةَ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}
يَقُولُ: زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا، يَقُولُ: قَدْ أَثِمَتْ قُلُوبُكُمَا [1]
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} شَيْءٌ هَيِّنٌ، حَتَّى سَمِعْتُ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَرَّهُمَا أَنْ يَجْتَنِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارِيَتَهُ، وَذَلِكَ لَهُمَا مُوَافِقٌ، {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} إِلَى أَنْ سَرَّهُمَا مَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلَّتِي أَسَرَّ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَهُ، وَالَّتِي أَفْشَتْ إِلَيْهَا حَدِيثَهُ، وَهُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} قَالَ: فَحَجَّ عُمَرُ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ، وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ، ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدِهِ وَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ؟ قَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَرِهَ وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ وَلَمْ يَكْتُمْ، قَالَ: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ.
[1] قال أبو الليث السمرقندي:
وذكر عن الفراء أنه قال: معناه إن لا تتوبا إلى الله، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما عن الحق، ويقال: فيه مضمر، ومعناه: إن تتوبا إلى الله يقبل الله توبتكما، ويقال معناه إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما يعني: مالت إلى الحق. اهـ (بحر العلوم. 3/ 467) .