(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة التحريم
قوله - تبارك وتعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) ،
يقال: إنه نزل في عسل حرمه على نفسه ألاَّ يشربه.
ويقال: بل نزل في تحريمه مارية
أم إبراهيم.
والذي يشبه - عندي، والله أعلم - أن يكون في تحريم مارية إذ
ليس في تركه صلى الله عليه وسلم شرب عسل - حرمه عند من كان من
أزواجه، أو جاريته - ما يبتغي به مرضات سائرهن، ولا ما يزول به
غيرتهن، إذا دخل عليها ووطيها بعد أن لا يشرب عندها عسلاً، بل أشبه
شيء أن يقلن له - عليه السلام -: نجد منك ريح المغافير، طمعا في
تزييف من شرب عندها ذلك العسل، ليزهد فيها فيحرمها، لا ليترك
شرب العسل عندها.
ومما يزيده تأكيدًا أن العسل داخل في جملة الطيبات، التي نهى الله عن
تحريمها في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(87) ،
نزلت في رجل حرم اللحم
على نفسه فعمه الله - جل جلاله - هو وسائر المؤمنين بالنهي عن
تحريم ما حللَّه من الطيبات لهم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أجل المؤمنين قد دخل في هذا النهي
مع أمته، والمائدة آخر ما نزل من القرآن، فلو كانت آية المتحرّم نازلة في
العسل لقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل - والله أعلم -: حلل
يمينك في تحريم اللحم، ولما سكت عنه حين سأله منتظرًا للوحي حتى نزل.
وما أحل الله في سورة المتحرّم، كلمة جامعة يدخل فيها العسل
واللحم، وغيرها من المأكول والمشروب، بمنصوص على لفظ
العسل فيحتاج - عند من يأبى القياس - إلى نص مجُدّد في تحريم
اللحم، مع أن قوله: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) ،
دليل واضح في أنه الجارية، لا العسل.