فإن قيل: لو كان كما ذكرت لكان: لم تحرم من أحل الله لك ، ولم
يكن (مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) ، إذ لفظ"من"يخبر بها عن الحيوان ، ولفظ"ما"
يخبر بها عن غير الحيوان.
قيل له: فقد قال الله - تبارك وتعالى -: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ، فدخل فيه الحيوان وغيره ، وأخبر بلفظ"ما"عنهم ، كما
أخبر بلفظ"من"في قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) ،
بل المفسرون على تسبيح الحيوان مجمعون ، وفي غير الحيوان مختلفون.
ولو لم يكن لنا في الجمع بين"ما"و"من"إلا في هذا الموضع هذا الشاهد -
أيضا - "لأمكن أن تكون"ما"واقعا على تحريم الوطء ، فلا يكون لمن"
يقصر عن سعة لسان العرب متعلق بما بيناه من قوله.
فلنا الآن أدلة في ذلك:
منها: أن كل حلف - وإن كان بغير الله ، جل جلاله - يسمى
يمينًا ، لقوله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) ،
ولم تكن يمينه صلى الله عليه وسلم بالله جل وتعالى.
ومنها: أن المباح من فرج الأمة - الذي أباحه ملكها - حَرُم بلفظ
التحريم حتى تحلله الكفارة ، كما حَرُمَ فرج الحرة المباح بعقد النكاح
بلفظ الظهار حتى تحلله الكفارة ، إلا أن كفارة الظهار أغلظ من كفارة
التحريم في الأمة ، لأن تلك مذكورة ، وهذه مبهمة ، فهي بردها إلى
قوله: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) - لاتفاق اللفظين من
الأيمان - أحق من ردها إلى لفظ الظهار ، أو لفظ الموعظة في
قوله: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) ، أو لفظ الحدود في قوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) ، بعد ذكر الكفارة في الظهار ، فيكون على اللافظ بتحريم فرج أحل الله له من أمَة ، أو حرة كفارة يمين ، يخير فيها من إطعام ، أو كسوة ، أو تحرير رقبة.
وعلى اللافظ بالظهار عتق رقبة - لا غير - إن وجدها ، وصيام
شهرين إن لم يجدها ، وإطعام ستين مسكينًا إن لم يستطع صيامهما ،