قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) }
(مناسبة الآية لما قبلها)
قال البقاعي:
(بسم الله) الذي له الكمال كله على الدوام (الرحمن) الذي عم عباده بعظيم الإنعام (الرحيم) الذي أتم خواصه نعمة الإسلام.
لما ختم سبحانه الطلاق بإحاطة علمه وتنزل أمره بين الخافقين في تدبيره، دل عليه أول هذه بإعلاء أمور الخلق بأمر وقع بين خير خلقه وبين نسائه اللاتي من خير النساء واجتهد كل في إخفاء ما تعلق به منه فأظهره سبحانه عتاباً لأزواج نبيه - صلى الله عليه وسلم - في صورة عقابه لأنه أبلغ رفقاً به لأنه يكاد من شفقته أن يبخع نفسه الشريفة رحمة لأمته تارة لطلب رضاهم وأخرى رغبة في هداهم، لأنه - صلى الله عليه وسلم - بالغ في تهذيب أخلاقه مع ما طهره الله به من نزاهتها عن كل دنس حتى ضيق عليها بالامتناع عن بعض ما أبيح له حفظاً لخاطر الغير، فقال تعالى منادياً له بأداة البعد وهو أقرب أهل الحضرة مع أنها معدة لما يكون ذا خطب جليل ومعنى جسيم جليل، وفيها إيماء إلى تنبيه الغير وإسماعه إرادة لتأديبه وتزكيته وتهذيبه: {يا أيها النبي} مخاطبة بالوصف الذي يعلم بالعصمة ويلائمه أشد الملاءمة خلو البال وسرور القلب وانشراح الصدر لأنه للتلقي عن الله تعالى فيحث كل سامع على البعد عن كل ما يشوش عليه - صلى الله عليه وسلم - أدنى تشويش {لم تحرم} أي تفعل فعل المحرم بمنع نفسك الشريفة {ما أحل الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه {لك} بالوعد لبعض أمهات المؤمنين - رضي الله عنه - ن بالامتناع من شرب العسل الذي كان عند حفصة أو زينب - رضي الله عنهما - والامتناع من ملامسة سريتك مارية رضي الله تعالى عنها فتضيق على نفسك لإحسان العشرة مع نسائك - رضي الله عنه - ن أجمعين، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشرب عسلاً عند حفصة بنت عمر أو زينت بنت جحش - رضي الله عنهما - على اختلاف الروايتين في ذلك في الصحيح، وفي رواية"أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه - رضي الله عنه - ن امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - عكة من العسل، فكانت إذا دخل عليها فسلم حبسته وسقته منها، وأن عائشة - رضى"