[من روائع الأبحاث]
قال السُّهْرَوَرْدي:
(فصل)
التوبة أصل كل مقام، وقوام كل مقام، ومفتاح كل حال، وهي أول المقامات، وهي بمثابة الأرض للبناء؛ فمن لا أرض له لا بناء له، ومن لا توبة له لا حال له ولا مقام له؛ وإني بمبلغ علمي وقدر وسعي وجهدي اعتبرت المقامات والأحوال وثمرتها، فرأيتها يجمعها ثلاثة أشياء بعد صحة الإيمان وعقوده وشروطه، فصارت مع الإيمان أربعة، ثم رأيتها في إفادة الولادة المعنوية الحقيقية بمثابة الطبائع الأربع التي جعلها الله تعالى بإجراء سنته مفيدة للولادة الطبيعية، ومن تحقق بحقائق هذه الأربع يلج ملكوت السماوات ويكاشف بالقدر والآيات، ويصير له ذوق وفهم لكلمات الله تعالى المنزلات ويحظى بجميع الأحوال والمقامات فكلها من هذه الأربع ظهرت وبها تهيأت وتأكدت، فأخذ الثلاث بعد الإيمان: التوبة النصوح. والثاني: الزهد في الدنيا. والثالث: تحقيق مقام العبودية بدوام العمل لله تعالى ظاهراً وباطناً من الأعمال القلبية والقالبية من غير فتور وقصور، ثم يستعان على إتمام هذه الأربعة بأربعة أخرى بها تمامها وقوامها، وهي قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، والاعتزال عن الناس.
واتفق العلماء الزاهدون والمشايخ على أن هذه الأربع بها تستقرّ المقامات وتستقيم الأحوال.
وتبين بالبيان الواضح أن سائر المقامات تندرج في صحة هذه، ومن ظفر بها فقد ظفر بالمقامات كلها، أولها بعد الإيمان: التوبة، وهي في مبدأ صحتها تفتقر إلى أحوال وإذا صحت تشتمل على مقامات وأحوال، ولا بد في ابتدائها من وجود زاجر ووجدان الزاجر حال، لأنه موهبة من الله تعالى على ما تقرر أن الأحوال مواهب، وحال الزجر مفتاح التوبة ومبدؤها.
قال رجل لبشر الحافي: ما لي أراك مهموماً؟ قال: لأني ضال ومطلوب، ضللت الطريق والمقصد وأنا مطلوب به ولو تبينت كيف الطريق إلى المقصد لطلبت، ولكن سنة الغفلة أدركتني وليس لي منها خلاص إلا أن أزجر فأنزجر.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً بالبصرة يشتكي عينيه وهما يسيل منهما الماء، فقلت له: ألا تمسح عينيك؟ فقال: لا؛ لأن الطبيب زجرني، ولا خير فيمن لا ينزجر.
فالزجر في الباطن حال يهبها الله تعالى، ولا بد من وجودها للتائب؛ ثم بعد الانزجار يجد العبد حال الانتباه.
قال بعضهم: من لزم مطالعة الطوارق انتبه.