(موعظة)
قال الحارث المحاسبي:
وَاعْلَم أَن حفظ الْجَوَارِح فَرِيضَة وَترك الفضول فَضِيلَة
وَالتَّوْبَة قبل ذَلِك فَرِيضَة وَقد فَرضهَا الله وَرَسُوله فَقَالَ جلّ ذكره {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} معنى نصُوحًا ترك الْعود فِيمَا تَابَ مِنْهُ العَبْد إِلَى ربه
وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى ربكُم قبل أَن تَمُوتُوا وتقربوا إِلَى الله بِالْعَمَلِ الصَّالح من قبل أَن تشْغَلُوا)
وَلَا تصح التَّوْبَة إِلَّا بأَرْبعَة أَشْيَاء حل إِصْرَار الْقلب عَن المعاودة وَالِاسْتِغْفَار بالندم ورد التَّبعَات والمظالم وَحفظ الْجَوَارِح من الْحَواس السَّبع السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان والشم وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ وَالْقلب وَهُوَ أميرها وَبِه صَلَاح الْجَسَد وفساده
وَقد جعل الله على كل جارحة أمرا ونهيا فَرِيضَة مِنْهُ وَجعل بَينهمَا سَعَة وَإِبَاحَة تَركهَا فَضِيلَة للْعَبد
فَفرض الْقلب بعد الْإِيمَان وَالتَّوْبَة إخلاص الْعَمَل لله واعتقاد حسن الظَّن عِنْد الشُّبْهَة والثقة بِاللَّه وَالْخَوْف من عَذَابه والرجاء لفضله
وَقد رُوِيَ فِي معنى الْقلب أَخْبَار كَثِيرَة مِنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (إِن من الْمُؤمنِينَ من يلين لَهُ قلبِي)
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن الْحق يَأْتِي وَعَلِيهِ نور فَعَلَيْكُم بسرائر الْقُلُوب)
وَقَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ للقلوب شَهْوَة وإقبال وفتره وإدبار فاغتنموها
عِنْد شهوتها وإقبالها وذروها عِنْد فترتها وإدبارها
قَالَ ابْن الْمُبَارك رَحمَه الله الْقلب مثل الْمرْآة إِذا طَالَتْ فِي الْيَد صدئت وكالدابة إِذا غفل عَنْهَا عدلت
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْقلب مثل بَيت لَهُ سِتَّة أَبْوَاب ثمَّ قيل لَك احذر أَلا يدْخل عَلَيْك من أحد الْأَبْوَاب شَيْء فَيفْسد عَلَيْك الْبَيْت فالقلب هُوَ الْبَيْت والأبواب العينان وَاللِّسَان والسمع وَالْبَصَر وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ فَمَتَى انْفَتح بَاب من هَذِه الْأَبْوَاب بِغَيْر علم ضَاعَ الْبَيْت