(فصل)
قال الحَلِيمي:
وأما ما يكون بعد انقضاء الظفر له من التعليم والدراسة والتأديب، فإن الله - عز وجل - قال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} فدخل الأولاد في قوله {أَنْفُسَكُمْ} لأن ولد الرجل بعض منه، كما دخلوا في قوله عز وجل: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} .
فلم يفردوا بالذكر إفراد سائر القرابات.
ومن وقاية الوالد ولده النار، أن يعلمه الحلال والحرام ويجنبه المعاصي والآثام، ويقوم عليه أحسن القيام ولا يكله إلى نفسه.
روي أنه قيل: يا رسول الله، كيف نقي أهلينا؟ قال: «مروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصية الله» .
وهذا كلام جامع ينتظم عامة ما يحتاج إليه من هذا الباب.
فأما تأديب الرجل ولده وتعليمه إياه، فقد جاء فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «ما تحل والد ولده أفضل من أدب حسن» .
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ثلاث من حق الولد على الوالد: أن يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه إذا بلغ» .
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، يسأل الرجل منكم عن زوجته وعن ولده وعن خادمه وعمن استرعى» ، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وليكن بثلاثة أحجار» .
ونهى عن الروث والروثة.
فلولا أن من حق الوالد أن يعلم ولده من أمر دينه ما يجهله، لما ضرب لنفسه المثل بالوالد عندما أراده ومن التعليم.
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - «مروهم بالصلاة ابن سبع، واضربوهم عليها ابن عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» .
وإنما أراد بذلك أن لا يفتن بعضهم ببعض.
فترسخ تلك الفتنة في قلوبهم فتصير ذريعة إلى أمثالها وأخواتها.
وأيضاً فإن على الوالد أن يمون ولده ما كان محتاجاً إلى مؤونته، لأنه لا يحيى إلا بها، فأولى أن يحمل كلفة تعليمه برثاء ذنبه، إذ كان لا ينتفع بجفائه إلا أن يكون سالماً متأدباً، وما يخشى من ضرر إهماله إعظم مما يخشى من ضرر حبس النفقة عنه، لأن أكثر ما في حبس النفقة عليه أن يموت، وضرر الإهمال أفظع منه، لأنه يخشى عليه أن يورده الجهل غمرات لا يخرج منها إلا إلى النار.