{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}
أعيد خطاب المؤمنين وأعيد نداؤهم وهو نداء ثالث في هذه السورة.
والذي قبله نداء للواعظين.
وهذا نداء للموعوظين وهذا الأسلوب من أساليب الإِعراض المهتم بها.
أُمر المؤمنون بالتوبة من الذنوب إذا تلبسوا بها لأن ذلك من إصلاح أنفسهم بعد أن أمروا بأن يجنِّبوا أنفسهم وأهليهم ما يَزِجّ بهم في عذاب النار، لأن اتقاء النار يتحقق باجتناب ما يرمي بهم فيها، وقد يذهلون عما فرط من سيئاتهم فهُدُوا إلى سبيل التوبة التي يمحون بها ما فرط من سيئاتهم.
وهذا ناظر إلى ما ذكر من موعظة أمرأتي النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {إن تتوبا إلى الله} [التحريم: 4] .
والتوبة: العزم على عدم العود إلى العصيان مع الندم على ما فرط منه فيما مضى.
وتقدمت عند قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} في سورة [البقرة: 37] .
وفي مواضع أخرى وخاصة عند قوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} في سورة [النساء: 17] .
وتعديتها بحرف (إلى) لأنها في معنى الرجوع لأن (تاب) أخو (ثاب) .
والنصوح: ذُو النصح.
والنصح: الإِخلاص في العمل والقول، أي الصدق في إرادة النفع بذلك.
ووصف التوبة بالنصوح مجاز جعلت التوبة التي لا تردد فيها ولا تخالطها نية العودة إلى العمل المتوب منه بمنزلة الناصح لغيره ففي (نصوح) استعارة وليس من المجاز العقلي إذ ليس المراد نصوحاً صاحبها.
وإنما لم تلحق وصف (نصوح) هاء التأنيث المناسبة لتأنيث الموصوف به لأن فعولاً بمعنى فاعل يلازم الإِفراد والتذكير.
وقرأ الجمهور نصوحاً بفتح النون على معنى الوصف كما علمت.
وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم النون على أنه مصدر (نصح) مثل: القُعود من قعد.
وزعم الأخفش أن الضم غير معروف والقراءة حجة عليه.