قلت: إذا طلقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعصيانهن له، وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنزول على هذاه ورضاه خيرا منهن.
«فإن قلت» : لم أخليت الصفات كلها من العاطف، ووسط بين الثبات والأبكار؟
قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعان فيهن اجتماع سائر الصفات فيهن، فلم يكن بد من الواو.
هذا، موال متأمل في هذه الآيات الكريمة يراها ترسم جانبا من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أزواجه، وهذا الجانب فيه ما فيه من العظات التي من أبرزها تكريم الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وإرشاده إلى ما هو أهدى وأقوم، وسمو أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - في معاملته لأهله، وتحذير أزواجه من أن يتصرفن أي تصرف لا يرغب فيه، ولا يميل إليه: وتعليم المؤمنين والمؤمنات - في كل زمان ومكان - كيف تكون العلاقة الطيبة بين الرجال والنساء.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون... ويفعلون في معنى واحد؟
قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يتقلبون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي} ...