ما بالُ مَنْ غَيُّهُ مُصيبُكَ لوْ ... يَملِكُ شيئاً من أمْرِه وَزَعَهْ
أذودُ عنْ حَوْضِه ويَدْفَعُني ... يا قومُ مَنْ عاذِرِي مِنَ الخُدَعَهْ
حَتَّى إذا ما انْجَلَتْ عَمايَتُهُ ... أقْبَلَ يَلْحى وغَيُّهُ فَجَعَهْ
قدْ يَرْقَعُ الثَّوبَ غَيرُ لابِسهِ ... ويَلْبَسُ الثَّوبَ غَيرُ مَنْ رَقَعَهْ
فاقْبَلْ مِنَ الدَّهْرِ ما أتاكَ بهِ ... مَنَّ قرَّ عَيْناً بِعَيْشِه نَفَعَهْ
وصِلْ حِبالَ البَعيدِ إنْ وَصَلَ الْـ ... حَبْلَ وأقْصِ القَريبَ إنْ قَطَعَهْ
ولا تُهينَ الفَقيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قدْ رَفَعَهْ
المُسْيُ: اسْمٌ من الإمساء، والصبح: اسمٌ من الإصباح، والفلاح هنا: البقاء والعيش
قال عبيد بن الأبرص:
أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُدْ ... رَكُ بِالضَّعْفِ وقدْ يُخْدَعُ الأريبُ
يقول لا بقاء مع كرّ الليل والنهار. والفلاح أيضاً: الفوز ومنه قوله في الأذان: حيَّ على الفلاح، والغَيُّ: الخيبة والحرمان قال المرقّش الأكبر:
فَمَنْ يَلْقَ خَيراً يَحْمَدِ الناسُ أمرَه ... ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِماً
وجملة: لو يملك؛ حاليَّة، ووَزَعَه: منعه وكفّه، يقول: ما بال من تتألم لخيبته وسوء حاله فإذا وجد شيئاً من الخير كفه عنك، ويُروى هذا البيت على وجه آخر، وقوله أذود عن حوضه: هو مثل للحماية ودفع المكروه عنه، والخُدَعة: قوم من بني سعد بن زيد مناة بن تميم ... ...
والعَماية: الشدة التي تلتبس منها الأمور، يقال: عَمِيَ عليه الأمر: إذا التبس، وأقبل: شرع، ويلحى: يلوم، وغَيّه: ضلاله، وفجعه: أصابه بمكروه
وصل حبال البعيد ... البيت يعني: تقرب إلى البعيد النسب إذا طلب قربك واهجر القريب النسب إذا هجرك، أخذه الأعشى فقال:
ولا تُدْنِ وصْلاً مِنْ أخٍ مُتباعِدٍ ... ولا تَنأَ عن ذي بِغضةٍ إن تَقرّبا
فإنَّ القريبَ مَنْ يُقرِّبُ نفْسَه ... لَعَمْرُ أبيكَ الخيرِ لا مَنْ تَنَسَّبا
وقوله ولا تهينَ الفقير الخ فالإهانة: الإيقاع في الهون (بضم الهاء) والهوان وهما بمعنى الذل والحقارة، وعَلّ: لغة في لعل وهي هنا بمعنى عسى، والركوع أراد به الانحطاط في المرتبة والسقوط في المنزلة، ومثل هذا البيت في المعنى قول القائل:
عَسى سائِلٌ ذو حاجةٍ إنْ مَنَعْتَه ... في اليومِ سُؤْلاً أنْ يكونَ لهُ غَدُ
وهذا البيت يستشهد به النحاة على أن نون التوكيد الخفيفة تحذف لالتقاء الساكنين والأصل تُهيننْ بالنون الخفيفة، ويروى: ولا تعاد ويروى لا تحقرن الفقير فلا شاهد فيه. انتهى انتهى {الذخائر والعبقريات، للبرقوقي} ...