10 -ومن أهم ما يقرب العبد من ربه ويجعله يفوز برضوانه: رحمة البائسين من عباده، وبذل المال في الوجوه التي فيها سعادة الأمة وإعلاء شأن الملة وانتشار الدعوة، ومن ثم قال: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ؛ أي: بعض ما أعطيناكم تفضلًا من غير أن يكون حصوله من جهتكم، ادخارًا للآخرة. فالمراد: الإنفاق الواجب، نظرًا إلى ظاهر الأمر، كما في"الكشاف"، ولعل التعميم أولى وأنسب بالمقام. {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} بأن يشاهد دلائله ويعاين أماراته ومخايله. وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام بما تقدم والتشويق إلى ما تأخر ولم يقل: من قبل أن يأتيكم الموت فتقولوا، إشارة إلى أن الموت يأتيهم واحدًا بعد واحد حتى يحيط بالكل. {فَيَقُولَ} عند تيقنه بحلوله: يا {رَبِّ} ؛ أي: يا ربي ويا مالك أمري {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي} ؛ أي: هلا أخرتني وأمهلتني، فـ {لَوْلَا} للتحضيض. وقيل: لا زائدة للتأكيد ولو للتمني؛ بمعنى: لو أخرتني؛ أي: هلا أمهلتني وأخرت موتي {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} وأمد قصير وساعة أخرى قليلة، وقال أبو الليث: يا سيدي! ردني إلى الدنيا وأبقني زمانًا غير طويل. وفي"عين المعاني": مثل ما أجلت لي في الدنيا. {فَأَصَّدَّقَ} ؛ أي: فأتصدق بمالي. وهو بقطع الهمزة؛ لأنها للتكلم وهمزته مقطوعة، وبتشديد الصاد؛ لأن أصله: أتصدق من التصدق، فأدغمت التاء في الصاد، وبالنصب؛ لأنه مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء في جواب التحضيض. أو التمني في قوله: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي} . {وَأَكُنْ مِنَ} عبادك {الصَّالِحِينَ} المراعين لحقوق الله وحقوق العباد، بالجزم عطفًا في محل {فَأَصَّدَّقَ} ، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن من الصالحين. وفيه إشارة إلى أن التصدق من أسباب الصلاح والطاعة، كما أن تركه من أسباب الفساد والفسق.