أَنا طَبِيب لَبِيب أمزج التحذير بالتشويق للعاملين وَأَجْعَل كأس التخويف صرفا للغافلين وأجتهد فِي التلطف جهدي بالعارفين الخام يعجب البدوي وَأما الحضري فدق مصر الْأَدْوِيَة الحادة تؤذي الْأَبدَان النحيفة الزَّاهِد ملاح الشط والعارف ناتاني الْمركب الزَّاهِد مقتب والعارف فِي محمل نفس الزَّاهِد تسير بِهِ وقلب الْعَارِف يطير بِهِ الْعَارِف حَال فِي الرَّحْمَة غَرِيب فِي الوطن خلوته بمعروفه طوره مَتى تقاضاه الشوق حضر لَا عَن ميعاد إِذا وطى بِسَاط الانبساط قَالَ {أَرِنِي} فَإِذا سمع صَاعِقَة الهيبة قَالَ {تبت إِلَيْك}
(ويأبى الجوى أَن اسر الْهوى ... إِذا امْتَلَأَ الْقلب فاض اللِّسَان)
إِذا رَأَيْتُمْ ناطقا بالحكمة قد طرب فاعذروه وَإنَّهُ قد صدر وَلم تردوا بعد الْعَالم الْمُحَقق قد اعتصر من كروم المعارف خندر يس الْمعَانِي فَشرب مِنْهَا حَتَّى غلب فَإِذا عربد بالطرب فَلم يعذرهُ الصاحي أَمر ساقي النُّطْق أَن يَدُور بكأس اللَّفْظ على أَرْبَاب الْأَلْبَاب فَإِذا الْقَوْم نشاوى من الثمل فَيُصْبِح حِينَئِذٍ مَوَاقِف {تراود فتاها}
{فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ} عبرناكم يَا منقطعين وعلينا أَن نرد لَا بُد للأمير أَن يقف للساقة عودوا إِلَى أوكار الكسل فَنحْن على نِيَّة دُخُول الفلاة اسمعوا وصايانا يَا مودعين إِذا جن اللَّيْل فسيروا فِي بوادي الدجى وانيخوا بوادي الذل واجلسوا فِي كسر الإنكسار فَإِذا فتح الْبَاب للواصلين دونكم فاهجموا هجوم الْكَذَّابين وابسطوا كف {وَتصدق علينا} لَعَلَّ هَاتِف الْقبُول يَقُول {لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم}
(وَإِذ جئْتُمْ ثنيات اللوى ... فلجوا ربع الْحمى فِي خطري)
(وصفوا شوقي إِلَى سكانه ... واذْكُرُوا مَا عنْدكُمْ من خبري)
(واحنيني نَحْو أَيَّام مَضَت ... بالحمى لم أقض مِنْكُم وطري)
(كلما اشْتقت تمنيتكم ... ضَاعَ عمري بالمنى واعمري)
انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...