وينبغي أن تعلم أولا: أنه لا سبيل إلى دعوى النسخ في شيء من تلك الأحاديث المتعارضة ، لأنه لم يوقف فيها على تمييز السابق من اللاحق ، فلا بدّ إذا من أحد أمرين: إما الجمع بينهما ، وإما ترجيح بعضها على بعض. على أنه متى أمكن أن يجمع بينها فلا ينبغي العدول عنه.
واعلم أيضا أنه لا مجال للمناقشة في أنّ قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ من قبيل المطلق ، وأنّ من يجادل في هذا فهو يحاول أن يلوي الأساليب العربية عن استقامتها. كما أنّ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم للرجل المسيء صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» من قبيل المطلق أيضا.
وعلى هذا أجاب الحنفية عما استدل به مخالفوهم من الشافعية وغيرهم بما يأتي:
قالوا على الدليل الرابع: إنّ عمل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومواظبته على قراءة الفاتحة من غير ترك لا يدل على الفرضية ، فإنّه عليه الصلاة والسلام كما كان يواظب على الفرائض ، كان يواظب على الواجبات التي هي أدنى منها ، وليس ترك الواجب في بعض الأحيان طريقا متعينا للتمييز بينه وبين الفرض ، فإنّ التمييز كما يكون بالفعل يكون بالقول ، كأن يقول لهم: إن ترك هذا لا يبطل الصلاة ، ولكن لا يجوز أن تتركوه.
وأجابوا عن حديث أبي هريرة - وهو الدليل الثالث - بأنّ النقصان أعمّ من الفساد ، فقد تكون الصلاة ناقصة مع الصحة بأن تكون مستجمعة شروطها وفرائضها وتخلّف شيء من الواجبات ، أو السنن فيها فلضرورة الجمع بين الأدلة المتعارضة يحمل النقصان على غير الفاحش الذي يفسد الصلاة ، وهو محمل غير بعيد.
وأجابوا عن الدليل الثاني: وهو ما رواه الدار قطني عن عبادة بن الصامت أنّه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» بأنّ رواية الجماعة عنه أنّه عليه الصلاة والسلام قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أرجح من تلك الرواية ، لأنه لا شك أنّ ما اتفق عليه الجماعة أصحّ مما تفرّد به غيرهم ولأنّ كلتا الروايتين - وإن كانت معارضة بظاهرها لإطلاق القرآن - فأقرب الروايتين إليه رواية الجماعة ، وأيضا فإنّه يصحّ أن تكون رواية الدار قطني بالمعنى وأنّ الراوي فهم من «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» عدم الإجزاء. فعبّر بلفظ: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .