والقدرة ، والنون الذي به إظهار ذلك للعقل بنور العلم ، وذلك أن القرآن نزله سبحانه مثاني ، ضمّن ما عدا المفصل منه الذي هو من قاف إلى خاتمة الكتاب العزيز ، وفاتحته ما يختص بأولي العلم والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات الأحكام ومطولات الأقاصيص ومتشابه الآيات ، والسور المفتتحة بالحروف العلية الإحاطة الغيبية المنحى المستندة إلى آحاد الأعداد مما يختص بعلم ظاهرها خاصة الأمة ، ويختص بأمر باطنها آل محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فلعلو رتبة إيراد ما عدا المفصل ثنى الحق تعالى الخطاب وانتظمه في سور كثيرة العدد يسيرة عد الآي هي المفصل ، ذكر فيها من أطراف القصص والمواعظ والأحكام والأنباء وأمر الجزاء ما يليق بسماع العامة ليسهل عليهم سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذ الخاصة ، ويتكرر على أسماعهم في قراءة الأئمة له في الصلوات المفروضة التي لا مندوحة لهم عنها ما يكون لهم خلقاً مما يفوتهم من مضمون سائر السور المطولات ، فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف القاف الذي هو وتر الآحاد حتى صارت عشرة ، ثم إذا ضربت في نفسها صارت مائة ، فافتتح به المفصل ، ليكون مضمون ما يحتوي عليه أظهر مما يحتوي عليه ما افتتح بآلم ، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقرأ في خطبة الجمعة سورة"ق"فيفتتح للعامة المتوجه بخطبة يوم الجمعة إليهم لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص ، وفي مضمونها من معنى القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية ، وشفعت بسورة"ن"المظهرة ظاهر"ق"فخصوا بما فيه القهر والإبانة ، واختصت سورة"ن"من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى غاية الذكر الشامل للعالمين ، لأن القوة المعربة عن العلم ربما كان ضررها أكثر من نفعها ، كما قال بعض السلف: كل عز لم يوطده علم فإلى ذل يؤول ، وكما كان جميع السور التسع والعشرين المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع في التسعة