وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ أي: كالصوف المصبوغ ألوانا، لاختلاف ألوان الجبال، فإن الجبال إذا فتتت وتمزقت في الجو، أشبهت الصوف المنفوش إذا طيرته الرياح، قيل: أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا، ثم عهنا منفوشا، ثم هباء منبثا.
ووجه الشبه أن السماء في هذا اليوم تكون في انحلال أجزائها، كالشيء الباقي في قعر الإناء من الزيت، وتكون الجبال في تفرق أجزائها كالصوف المصبوغ الذي تطاير في الجو.
وفي هذا اليوم - أيضا - لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً أي: لا يسأل صديق صديقه النصرة
أو المعونة، ولا يسأل قريب قريبه المساعدة والمؤازرة .. لأن كل واحد منهما مشغول بهموم نفسه من شدة هول الموقف، كما قال - تعالى -: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.
والحميم: هو الصديق الوفي القريب من نفس صديقه.
وضمير الجمع في قوله - سبحانه - يُبَصَّرُونَهُمْ يعود إلى الحميمين، نظرا لعمومهما، لأنه ليس المقصود صديقين مخصوصين، وإنما المقصود كل صديق مع صديقه.
والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، إجابة عن سؤال تقديره: ولماذا لا يسأل الصديق صديقه في هذا اليوم؟ ألأنه لا يراه؟ فكان الجواب: لا، إنه يراه ويشاهده، ويعرف كل قريب قريبه، وكل صديق صديقه في هذا اليوم .. ولكن كل واحد منهم مشغول بهمومه.
قال صاحب الكشاف: يُبَصَّرُونَهُمْ أي: يبصر الأحماء الأحماء، فلا يخفون عليهم، فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا، وإنما يمنعهم التشاغل.
فإن قلت: ما موقع يبصرونهم؟ قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لمّا قال: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً قيل: لعله لا يبصره، فقيل في الجواب: يبصرونهم، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم.
فإن قلت: لم جمع الضميرين في يُبَصَّرُونَهُمْ وهي للحميمين؟ قلت: المعنى على العموم لكل حميمين، لا لحميمين اثنين.
ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين في هذا اليوم فقال: يوم المجرم أي: يحب المجرم في هذا اليوم ويتمنى.