17 - {تَدْعُو} تلك النار {مَنْ أَدْبَرَ} عن الحق ومعرفته، وهو مقابل أقبل. ومعنى {تَدْعُو} : تجذب إلى نفسها، وتحضر، فهو مجاز عن إحضارهم كأنها تدعوهم فتحضرهم وتقول لهم: إلى إلى يا كافر، ويا منافق، ويا زنديق فإني مستقرك. أو تدعو الكافرين، والمنافقين بلفظ فصيح بأسمائهم، ثم تلتقطهم كالتقاط الطير الحب. ويجوز أن يخلق الله فيها كلامًا كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم وكما خلقه في الشجرة. أو تدعو زبانيتها على حذف المضاف أو على الإسناد المجازي حيث أسند فعل الداعي إلى المدعوّ إليه، من باب إسناد ما هو للحال إلى المحل. وقيل: هو تمثيل وتخييل، ولا دعاء في الحقيقة. {وَتَوَلَّى} ؛ أي: أعرض عن الطاعة؛ لأن من أعرض يولّي وجهه. وفي"التأويلات النجمية": من أدبر عن التوجه إلى الحق بموافقات الشريعة ومخالفات الطبيعة، وتولى عن الإقبال على الآخرة والإدبار عن الدنيا.
18 - {وَجَمَعَ} المال حرصًا وحبًّا للدنيا {فَأَوْعَى} ؛ أي: فجعله في وعاء وكنزه، ولم يؤد زكاته وحقوقه الواجبة فيه، وتشاغل به عن الدين، وتكبر باقتنائه. وذلك لطول أمله وانعدام شفقته على عباد الله، وإلا ما ادخر بلْ بذل. وفي جمع الجمع مع الإدبار والتولي تنبيه على قباحة البخل وخساسة البخيل، وعلى أنه لا يليق بالمؤمن.
والمعنى: أي كلا لا يقبل منه فداء، ولو جاء بأهل الأرض جميعًا أو بأعز ما يجده من مال ولو بملء الأرض ذهبًا أو بولده الذي كان حشاشة كبده في الدنيا، أو بزوجته وعشيرته. {إِنَّهَا لَظَى ... } إلخ؛ أي: إنها النار الشديدة الحرارة التي تنزع جلدة الرأس، وتفرقها ثم تعود إلى ما كانت عليه. وأنشدوا قول الأعشى:
قَالَتْ قُتَيْلَةُ مَالَهُ ... قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهُ
وهذه النار تجذب إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدر أنها في الدنيا يعملون عملها من بين أهل المحشر، فدسوا أنفسهم إذ كذبوا بقلوبهم وتركوا العمل بجوارحهم، وجمعوا المال بعضه على بعض وكنزوه، ولم يؤدوا حق الله فيه، وتشاغلوا به عن فرائضه من أوامر ونواهٍ. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 30/ 201 - 214} ...